توقف مؤقت ..

إلى مَن يقرأ قصة “كيف أخبره بإنني أحبه؟”، أقدم لكم خالص اِعتذاري بسبب تأخر نشر الأجزاء الجديدة. هناك العديد من الأمور في حياتي الخاصة التي أحالت بيني وبين الكتابة مؤخرًا وذلك أيضًا كان سبب توقفي المتكرر لشهور عن النشر.

كنتُ وما زلتُ أريد رؤية نهاية هذه القصة هنا منشورة بالرغم من أن النهاية مكتوبة ومرسومة في مخيلتي مسبقًا، ولكنني كنتُ حائرة في الوقت ذاته لقلة الدعم وعدم توفر ووجود النقد لهذه القصة. سأتوقف عن النشر هذه الفترة مؤقتًا بسبب إنشغالي لكنني سأعود بإذن الله، وسيكون النشر أسبوعيًا أو على أسبوعين إن شاء الله.

متمنية لكم بدوام السعادة والرضا إلى أن تعود القصة مجددًا ♥..

محدثتكم: شذى حسن

كيف أخبره بأنني أحبه؟ *1

أعمل بشركة “Hudson Global” في مدينة نيويورك منذُ خمسة سنوات، وفي منتصف هذا العام نُقلت إلى فرعهم الجديد في مدينة ماديسون. كان السبب في إنتقالي إلى هذا الفرع هو حاجتهم إلى شخصٍ أكثر خبرة وقدرة في إدارة المبيعات. أنتقلت معي والدتي فهي الوحيدة التي تبقت لي بعد وفاة والدي رحمه الله. واليوم سيكون يومي الأول في عملي هنا، وسيكون في نصب عينيّ ما قاله كولن باول وزير الخارجية الأسبق: “الحلم لا يصبح واقعًا عن طريق السحر. بل يحتاج إلى عرق، إصرار وإلى العمل بجد”.

عندما وصلت إلى الشركة ذهبت إلى الإستقبال لأعرف بنفسي بعد أن حييت الحارس: “مرحبًا، ادعى إيما جونسون”. ينظر إلى شاشة حاسوبه من ثم يرجع نظره لي قائلًا: “نعم آنسة جونسون الجميع بإنتظارك في الطابق الثاني عشر”. أركب المصعد بعد أن شكرته، ولكن قلقي قد بدأ الآن. أنظر إلى الأرقام وهي تتغير ومع كل رقمٍ، يتصاعد توتري أكثر. توقف المصعد في الطابق الثامن ليصعد فيه ثلاث فتياتٍ وشاب. “هل سمعتم بالفتاة التي ستأتي اليوم؟” تقول إحداهن. “آه نعم. الفتاة المتملقة للرؤساء!” ترد عليها إحداهن ضاحكة. “آه تبًا! إنهن يقصدنني” أقولها في نفسي. يرد عليهن الشاب الوحيد بينهن: “آه أرجوكن توقفن. وماذا يعني بإنها متملقة للرؤساء؟ كل ما في الأمر أنها جيدة ولذلك ستأتي إلى الفرع الجديد، أليس كذلك؟”. توافقه الفتاة المتبقية: “هذا صحيح ياديفيد. لقد سمعتُ بذلك من سكرتير المدير التنفيذي! إنها مثالية وليست جيدة فقط”. تقول إحداهن: “سام قال ذلك حقًا؟” ترد عليها زميلتها: “نعم قال ذلك، وقال أيضًا أنهم يسمونها ملكة العقود في نيويورك”. “آه كفى أرجوكم. إنها متملقة في الأخير” ترد الأخيرة وينتهي النقاش عن المتملقة “والتي هي أنا على ما يبدو” إذ قد وصلنا إلى الطابق المراد.

خرجت من المصعد بعدهم لأواجه مكتب إستقبالٍ آخر. وقفتُ قليلًا أتأمل الطابق منبهرةً من جماله، فتفاجأت بنظر فتاة الإستقبال لي فسألتها: “عذرًا، ادعى إيما جونسون”. تجيبني مبتسمة: “آوه إذن أنتِ هي الآنسة جونسون! الجميع بإنتظارك، تفضلي معي رجاءً”. نذهب سويًا إلى غرفة مغلقة أشبه بقاعة إجتماعاتٍ صغيرة. أتفاجئ بعد دخولي  بوجود مَن كانوا معي في المصعد أيضًا “تفضلي بالدخول” تقولها ومن ثم تغادر مغلقةً الباب خلفها. أما أنا فنظرت لهم جميعًا وقلتُ بإبتسامة واسعة: “صباح الخير جميعًا. ادعى إيما جونسون، الموظفة المنتقلة من فرع نيويورك”. ينهض أحدهم مادًا يده نحوي: ” مرحبًا بكِ بيننا آنسة جونسون. أنا مدير القسم جاك غرايسون سعيدٌ بوجودكِ بيننا” أبتسم له فقد تذكرت ما قالته مديرتي القديمة عنه: “آه نعم سيد غرايسون تشرفت بلقاءك أخيرًا، سمعتُ الكثير عنك من السيدة إديسون”. يجيبني ضاحكًا: “اتمنى أن يكون بكل خير!”، أبتسم له وأقول: “بالتأكيد، كل خير”. يشير إلى المقعد الفارغ بجانبه قائلًا: “تفضلي بالجلوس”، أذهب لأجلس على المقعد ولكن يشد إنتباهي الأربعة الذين كانوا معي في المصعد. أثنتين منهم تتساسران والصدمة باديةٌ على وجهيهما. “إذن لقد عرفوا بإنني قد سمعتهم” أقولها في سري، متصنعةً الإبتسامة أمامهم.

انتهى التعريف الذي أجتمعنا له وخرج المدير أتبعه أنا إلى أن أوقفني أحدهم: “آنسة جونسون أعتذر على تصرف زميلاتي وما قالوه”. أرد بإبتسامة: “لا داعي للإعتذار يا سيد ديفيد، فما قالوه صحيحٌ تمامًا. أنا متملقة للرؤساء …” أوجه نظري إليهن وأشير بيدي: “ربما قليلًا فقط!” وأضحك. يضحك ديفيد على ما قلته ويمد يده مصافحًا: “اتمنى أن نكون زميلين جيدين لبعضنا”، أمد يدي له وأنظر إلى زميلاته بالخلف: “نحن زملاء مسبقًا، سعيدةٌ بوجودي هنا”. تأتي الفتاة التي دافعت عني نوعًا ما مادةً يدها: “ادعى كاثي، اتمنى أن نكون زميلتين جيدتين لبعضنا”. “آه بالطبع” أقول مصافحةً لها. تأتي الفتاتان معتذرتان: “آسفتان لم نكن نقصد ما قلنا” تقول الأولى ثم تكمل “ادعى سارة بالمناسبة وهذه زميلتي جينا” أصافحهما بإبتسامة قائلة: “لا داعي للإعتذار لم يحدث شيء، سعيدةٌ بمعرفتكما”.

نذهب سويًا نحو المصاعد لننزل للطابق الثامن حيث تقبع مكاتبنا. الصدفة الجميلة كانت أن مكتبي بجانب مكتب كاثي، سعدتُ بذلك كثيرًا فلقد أحببت كاثي، بدت لي لطيفةً وقريبةً للقلب ويمكنني أن أعتبرها صديقة. رأيت من مكتبي ملفاتٍ عديدة على مكتبٍ منزوٍ عن المكاتب الآخرى، فذهبت لأخذ بعضٍ منها لأبدأ العمل عليها، لم أشعر بالوقت إلا عندما أنتبهت إلى خلو المكاتب، أنظر إلى ساعتي “لقد حان وقت الغداء إذن!” أقول بصوتٍ عالٍ. هممت بالنهوض وأخذ ملفاتي وحقيبتي معي لأذهب للبحث عن مطعمٍ أو مقهى أستطيع العمل به. عند خروجي من البوابة أنتبهت إلى لوحةٍ لمطعمٍ صغير مقابل للشركة ففرحت أشد الفرح: “لن يتعين عليّ البحث عن مطعم، الحمدلله”. ذهبت قاطعةً الطريق للوصول إلى المطعم. وفي طريقي إليه يرن هاتفي. أرد سريعًا: “أهلًا أمي. هل تريدين شيئًا؟”.

“نعم عزيزتي. كنتُ نسيتُ أن أخبركِ عن صلصة الطماطم، أرجوكِ أحضريها في طريق عودتك!”.

أُجيبها وأنا أفتح باب المطعم: “حسنًا لا تقلقي، سأجلبها في طريقي”.

“حسنًا أعتني بنفسك رجاءً. سأكون بإنتظارك”.

أغلقت من والدتي الخط وأنا أحاول أن أعثر على مكانٍ مناسب لأجلس فيه. “سيدتي هناك مكانٌ خالي” يشير النادل إلى ركن المطعم والذي كان خاليًا تمامًا. أنظر إليه مبتسمة: “أشكرك وكأنك قرأت أفكاري. إنه المكان المناسب لي!”. جلب لي النادل قائمة الطعام وأخترتُ على عجلةٍ ما أريد. فتحت حقيبتي التي معي وأخرجت منها جهازي المحمول، “لأنه اليوم الأول هذا لا يعني بأن أتقاعس عن عملي. العمل هو العمل!” ماكان يدور برأسي وقتها. بدأت بالعمل، جهازي أمامي، الملف في يدي وبقية الملفات ممددة على الطاولة أمامي. كنتُ منغمسةً في العمل عندما ناداني النادل مرارًا وتكرارًا “سيدتي، سيدتي …” سمعته أخيرًا فرفعت رأسي لأراه مبتسمًا لي فقال: “طعامك جاهز!”، ” آوه أعذرني رجاءً، لم أنتبه لك!”. بدأت بلملمة حاجياتي التي وضعتها على الطاولة وعندما أنتهيت قلت معتذرةً: “أعذرني رجاءً عندما أنغمس بالعمل لا أتوقف أبدًا!” أبتسم لي قائلًا: “لا داعي للإعتذار، فأنا متفهمٌ لذلك. يوجد شخصٌ هنا مشابهٌ لكِ” يذهب وهو يبتسم لي. “آوه، لستُ الوحيدة إذن!” أبدأ في تناول طعامي والإنشغال في النظر إلى الناس. هناك عائلة مكونة من أمٍ وأب وثلاثة أطفالٍ صغار يبدون سعداء. أنظر لهم وأنا أبتسم إبتسامةً حزينة فقد تذكرت والدي، كنا دائمًا ما نتقابل معه وقت الغداء رغم إنشغاله بعمله. وفي الطاولة الآخرى رجلٌ وزوجته، طاولةٌ بها فتاتان تضحكان بأعلى صوتهما، طاولةٌ بها رجلٌ لوحده وطاولةٌ بها عائلة مكونة من أبٍ وطفلةٍ صغيرة. أرجع نظري إلى صحني قليلًا وأغمض عيناي “آه كم كان يومًا طويلًا، أريد أن أعود إلى البيت فقط!” أقولها في سري.

أفتح عيناي لأتفاجئ بشابٍ ذا شعرٍ أحمر ينظر إلي. أبتسم لي ورددت له الإبتسامة وإشارةً من يدي أوضح له بأنني بخير فقد كان ينظر إليّ بنظرةٍ قلقة. هذه المرة أبتسم إبتسامةً واسعة ظهرت فيها أسنانه، ويالها من إبتسامة فلم أستطع سوى أن أُعلق بقول: “ياه كم هي جميلةٌ إبتسامته!”. يأخذني من التفكير بالشاب ذا الشعر الأحمر رنين هاتفي برسالة، أبتسمتُ عندما قرأتها فَـ أتصلت بوالدتي سريعًا. “لقد أُعفيتُ من مهامي اليوم، سأعود بعد تناولي الغداء!”، سعدت والدتي بهذا الخبر فقالت بأنها ستخبز فطيرة التفاح من أجل ذلك. بدأت  بالشعور وكأن أحدًا ما ينظر لي ولكنني كلما رفعتُ نظري لا أرى أحدًا.

أُكملتُ تناول طعامي وأنا أتابع النادل ذاته وهو يعمل، والذي لفت إنتباهي هو أنه يذهب بكثرة إلى الشاب ذي الشعرِ الأحمر، وبين فترةٍ وآخرى يبتسم هذا الشاب وكل ما يتبادر إلى ذهني هو: “آه إبتسامته جريمة”. أكثر ما يميز هذا الشاب هو شعره الأحمر الذي يصل إلى كتفيه، ولكن عيناه اللوزيتان بلونهما الأخضر الداكن، أنفه المستقيم، إبتسامته الجذابة التي توقع أي أحدٍ في غرامها وذقنه الحليق مع حبة خالٍ تتوسط خده الأيمن … “آه أرجوكِ توقفي!” أصيح بصوتٍ عالٍ وأضع رأسي على الطاولة. فجأة يعم الهدوء في المكان، أرفع رأسي لأرى الجميع ينظر إلي بإستغراب “أنا آسفة، أنا بخير” أقولها محرجةً. يعود الضجيج مرة آخرى ولكنني لا أزال محرجة، فالشاب ذا الشعر الأحمر لم يرفع نظره عني بعد. “يإلهي ماذا فعلت؟ ياللإحراج!” أقولها في سري وأنا أُكمل تناول طعامي متصنعةً بأنني غير آبهةٍ بنظراته.

أنتهيت من تناول طعامي وناديت على النادل ليجلب لي الحساب. أعطيته الحساب قائلة: “سأعود غدًا، فلتتحملني رجاءً” رد النادل ضاحكًا: “سأفعل ما بوسعي!”. خرجت من المطعم وأنا محملةٌ بحاجياتي، عرض عليّ النادل المساعدة ولكنني رفضت إذ من الأفضل لي أن أعتاد على ثقلها ولكنني شكرته على إقتراحه. ذهبت في طريق عودتي إلى المتجر القريب من شقتي لأشتري صلصة الطماطم كما أخبرتني أمي. الحمدلله لم أنسى.

في أثناء ذلك يذهب نادل المطعم ذاك بورقةٍ إلى الشاب ذا الشعر الأحمر. يرفع الشاب عينه ليرى النادل، فيغمز النادل بعينه وهو يبتسم ثم يذهب. نظر ذا الشعر الأحمر إلى ظهر النادل وهو يذهب مستغربًا من فعلته ولكنه في الأخير أخذ الورقة التي على الطاولة ليقرأها. “ستعود مجددًا غدًا. يجب أن تكلمها!”. أبتسم ذا الشعر الأحمر من الخبر وأكمل ما كان يفعله سابقًا.

عندما وصلتُ إلى الشقة كانت أمي بإستقبالي بالأحضان: “اتمنى أن يومكِ لم يكن ثقيلًا؟”. أغمضت عيني من التعب وأنا في أحضانها: “آه قليلًا فقط. رغم أنه لم يكن هناك الكثير من العمل، ولكنكِ تعرفينني!” جلسنا نتحادث عن العمل، الموقف الذي صار في المصعد!، الأشخاص الذين قابلتهم؟ ، كيف هو المدير الجديد؟ والأهم من ذلك كله كان عن المطعم الذي أكتشفته. “مطعمٌ صغير، زبائنه قليل ولكنه مريح جدًا وجميل”. “آه، لم أخبركِ!” صاحت والدتي فجأة وهي تتذكر. أكملت قائلة: “اتصلت خالتك اليوم تخبرني بموعد زفاف ابنها ويل”. “آوه صغيرنا ويل سيتزوج!” أرد عليها وأنا فرحة، تنظر لي بنصف عينٍ قائلة: “على الأقل سيتزوج! ليس مثلكِ. من يعلم متى ستتزوجين؟”.

والدتي أصبحت عاطفيةً أكثر بعد وفاة والدي، فأصبحت لا تمل عن إخباري عن فلانٍ وفلان لأتزوجه وترى أحفادها قبل أن تموت. أنا من جهةٍ آخرى لم أجد الشخص المناسب لي بعد. لقد واعدت قليلًا ولكن سرعان ما ينطفئ الإعجاب بيننا إلى محض صداقة. بالتأكيد ليس خطأهم ولكنه خطئي أنا! لإنني لم أجده بعد .. “شخصي المناسب”. “سأتزوج عندما أجد الشخص المناسب لي .. أعدك” أقف من مكاني لأذهب إليها وأقترب منها حتى أُقبل رأسها، تبتسم لي وتقول: “بما أنكِ وعدتيني فقط. ولكن اتمنى أن تجديه قريبًا” أضحك قائلةً: “آه اتمنى ذلك أيضًا!”. لم أخبرها عن ما حصل في المطعم ولا عن الشابِ ذا الشعر الأحمر، أشعر كما لو أنني فتاةٌ في فترة المراهقة تخبئ عن والدتها إعجابها بفتى.

ذهبتُ بعدها إلى غرفتي لأكمل الملفات التي كانت بين يدي قبل أن أنام. فتحت جهازي وبدأت بالعمل. فجأة طرقٌ على الباب: “الباب مفتوح!”. تدخل والدتي الغرفة محملةً بكوبي المفضل: “لقد أجهدتي نفسك، لماذا؟”، تجيبني وهي تبتسم: “عرفتُ أنكِ ستكملين عملك فجلبتُ لكِ بعضًا من الشاي”. أُمسك بيدها وأُقبلها: “شكرًا ماما”. تقترب مني وتطبع قُبلة على رأسي وتقول قبل أن تغادر: “لا تستغرقي وقتًا طويلًا في العمل، يجب أن تنامي!”. أجيبها: “حسنًا سأفعل”، “تصبحين على خير إذن”، أرد وأنا أتابعها تأخذ طريقها إلى خارج الغرفة: “وأنتِ بخير”. أرجع نظري إلى جهازي المحمول وأُكمل عملي. عندما أنتهيت كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل: “آه حان وقت النوم، أمامنا يومٌ حافل غدًا” أرمي بنفسي على السرير وأغطُ في نومٍ عميق بدون أن أشعر حتى.

 

كيف أخبره بأنني أحبه؟ *7

نتفاجأ بدخول شخصٍ غريب لقسمنا، أبتسم هذا لأحدهم ثم سأله وأتجه من بعدها بخطواتٍ سريعة نحو الطاولة التي كانت تجلس بها ساره، ونحن نتابعه بكل حواسنا. “هل تعرفينه يا جينا؟”، تسأل كاثي. تجيبها جينا بهز رأسها بِـ لا. يقف فجأة ممسكًا بيدها بعد أن كان جالسًا بقربها، تقف معه ثم تأخذ حقيبتها ويخرجان سويًا. أقول: “آهـ لقد ارتحت قليلًا، لقد كانت تبتسم”، أقول لهما، فترد كاثي بعد أن تلتفت إلينا: “إذن ما هي مخططاتكما لوقت الغداء؟”، أجيبها: “لدي الكثير من الملفات، لن أستطيع الخروج معكما”، تبتسم جينا ثم تضع يدها على كتفي وتقول: “أعرف أن موضوع عقد شركة “Pride” يأخذ من وقتك الكثير ولكن… تحتاجين لبعضٍ من المرح بين الوقت والآخر”، أبتسم ثم أقول لها: “لا أستطيع حقًا فلا تجبريني أرجوكِ، وعن المرح…”، أبتسم أكثر ثم أقول: “لقد مرحت بما فيه الكفاية في هذه العطلة”. “آوهـ لا لا! يجب أن تخبرينا إذن”، تقول جينا، وأجيبها: “لا أعدكِ بذلك..”، “حسنًا أستأذن منكما سأذهب للغداء مع ديفيد”، تقاطعنا كاثي ثم تذهب نحو ديفيد الذي كان ينتظرها واقفًا عند مكتبه، وعندما يراها تمشي نحوه يضيء وجهه بابتسامة كبيرة. “آهـ لم يبقى سوانا، إذن ماذا نفعل الآن؟”، أنظر إليها بدون رد ثم أرجع نظري نحو الملفات التي على الطاولة أمامي وأجيبها بعد فتح الملف الذي أمامي: “بيتزا؟”، تجيبني باستسلام: “حسنًا.. بيتزا…”. تتذمر: “آهـ كاثي الخائنة!”، وأضحك أنا على تذمرها بينما ذهني كان في مكانٍ آخر.

عند المدير التنفيذي آدم هارت، يجتمع بصفوة من العملاء المميزين والذين يعتبرهم كأفرادٍ من عائلته. ينظر آدم لأحدهم قائلًا: “لقد خيبت ظني كثيرًا ستو، أخبرني مالذي حدث؟”، يضحك ستو قليلًا ثم يجيب بصوتٍ غليظ: “لقد حان الوقت لأجعل ابني يستلم القيادة، لقد أصبحتُ كهلًا”، يقهقه البقية بينما آدم يقول بحنكة: “أنا واثقٌ بأنه سيجعلك فخورًا”، ويجيبه ستو: “متأكدٌ من ذلك!”. يقطع اجتماعهم صوت سام من على جهاز الاتصال الداخلي: “سيدي، الآنسة بيلا تنتظرك على الخط الثاني”، يبتسم آدم ثم يقول: “أعذروني سادتي إنه نداء الواجب”، يضحكون جميعهم، ثم يقول أحدهم: “نداء الواجب لا ريب، لا يستطيع أحدنا الإفلات منه”، ويضحكون مرةً آخرى. يُمسك آدم بالهاتف ثم يضغط الزر حتى يستلم المكالمة ويأتيه صوتٌ صغير، فيجيب بحنانٍ غير معهودٍ منه: “أهلًا عزيزتي.. لقد اشتقتُ إليكِ”..

بعد استراحة الغداء أجتمع بجميع أفراد القسم للحديث عن شركة “Pride”، والذي يعتبر من أولوياتنا في هذه الفترة. بعد انتهائنا من الاجتماع يعود الجميع لمزاولة أعمالهم. يقترب مني أحدهم وينقر كتفي هامسًا: “إيما هل أستطيع الحديث معكِ على انفراد”، أُصدم قليلًا بتكتمه، والذي كان مايكل بالمناسبة، ولكنني أجيبه: “بالطبع..”. نخرج سويًا لخارج القسم ثم يبدأ بالقول: “لقد أخبرتني زوجتي شيئًا ربما يهمك عن شركة “Pride””، أقطب حاجبيّ كدلالة على عدم فهمي، فيقول مايكل: “اِقتربي قليلًا، لا أريد أن يسمعنا أحد”، أُقرب منه أذني فيهمس قائلًا: “لقد أخبرتني زوجتي بإن السبب الحقيقي لبناء هذه الشركة هو أن مدير شركة “Pride” بناها من أجل ابنه الذي يعاني من إعاقة، ولا أعلم حقيقة إعاقته ولكنه كما سمعت مطلق ويعتني لوحده بابنه هذا”، أبتعد منه قليلًا والصدمة على وجهي. أهمس له: “ولكنه صغيرٌ بالعمر!”، يجيبني بابتسامة: “هذا لا يمنع من أن تعول عائلة”، أجيبه بتردد: “هذا صحيح”. يومئ لي برأسه ثم يتحرك عائدًا لمكتبه. أبقى في مكاني قليلًا ثم في الأخير أعود إلى مكتبي.

نخرج أربعتنا سويًا من الشركة بعد الاتفاق على خروجنا غدًا للعشاء وأيضًا لشرب بعضٍ من همومنا على حد قول جينا. تقول ساره بعد تذكرها ما حصل لها في مطعم J: “لقد كان هناك شخصٌ يحدق بنا لفترةٍ طويلة وكأنه كان يريد أن يقول شيئًا أو ربما يسأل.. لا أعلم حقيقةً ولكن نظراته كانت.. لا أدري كيف أصفها”، وعرفتُ مَن تقصد بكلماتها، وكاثي أيضًا عرفته فسألتها للتأكد: “هل كان ذا شعرٍ أحمر؟”، وتجيبها سريعًا: “نعم، لقد كان شعره أحمر”، فتبتسم كاثي بدون أن تعلق. نتفاجأ بصوتٍ غليظ من خلفنا ينادي “حبيبتي!”، نلتفت ثلاثتنا إلا ساره تقف في مكانها دون حركة. نُصدم ثلاثتنا عند رؤيته يجري نحونا. تسأل جينا: “هو أليس كذلك؟”، ثم تضحك بصوتٍ عالي وكأنها قد عرفت شيئًا لا نعرفه. يعتذر الشاب على تخويفنا بابتسامةٍ خفيفة، ثم يعرف بنفسه قائلًا: “مورغان كونور”، وتعرف كل واحدةٍ منا عن نفسها. كانت عينا مورغان على سارة طوال وقت حديثنا، بينما هي كانت تتحدث مع جينا، وكان جليًّا جدًا أن بها شيءٌ ما، فعيناها كانتا حزينة أو ربما … روحها.

“إذن مورغان أخبرنا ما علاقتك بِساره؟”، تسأل كاثي. يبتسم قائلًا: “لا شيء”، ثم يزفر ناظرًا إليها: “قلبي بين يدّي إحداهن منذُ سنين طويلة… ولا أظنني سأستعيده أبدًا!”، ثم يقول وهو يبتسم بألمٍ والذي يحاول جاهدًا إخفائه: “غبي، أليس كذلك؟!”. تبتسم كاثي قائلة: “على الإطلاق. هذا ما يُسمى بالحب”، أوافقها بهز رأسي: “يجب أن تلحق بحبك، لا تتركه لأيًا كان!”. يضحك قائلًا: “أنتظرها منذ عشرون سنة.. أظنها ستكون لي قريبًا”. نضحك ثلاثتنا ثم تقول كاثي: “أنظري إليهِ الآن.. واثقٌ من كلامه”.

أودع الفتيات بعد مغادرة ساره ولحاق مورغان لها. أذهب إلى سيارتي بخطواتٍ ثقيلة دون أن أحاول النظر إلى المطعم قبالتي. تحركتُ باتجاه منزلي ولكن قلبي وعقلي بقيا معه. “آهـ يا لي من جبانة! جبانة!”، أرددها مرارًا وتكرارًا.

يمضي الأسبوع سريعًا ما بين مخططاتي لعقد شركة “Pride” وبين عقود شركاتٍ آخرى. كان خاليًا بالطبع من جايكوب، فمنذُ ذلك اليوم وأنا لم أستطع أن أذهب إلى المطعم أو بالأحرى لم أخرج من الشركة على الإطلاق سوى للذهاب لمقابلة بعض العملاء أو العودة للمنزل. قلبي يرف كل يوم عند رؤيتي للمطعم من بعيد ولكنني أجبر نفسي على العدول عن ذلك. أهملت صحتي كثيرًا فلقد أصبح يومي كله في الشركة ربما لأشغل عقلي لا أكثر. أمي لاحظت التغيرات الطفيفة عليّ، ومنها انعدام شهيتي للطعام، فأصبحت تحاول قدر الإمكان أن تجهز لي بعض الطعام للإفطار والغداء. كنتُ أريد رؤيته كثيرًا، وفي نفس الوقت لا أريد ذلك. عجيبٌ أمر هذا القلب، إنها أول مرةً يفعل فيها هذا. أقصد أن يميل لهذه الدرجة نحو شخصٍ ما. لم أحب أحدًا لهذه الدرجة قط! أحبه؟ نعم.. أنني أحبه. تفاجأت باستدعاء آدم الكثير لي، وتحميلي الكثير من المسؤوليات في القسم وعندما أسأله عن السيد غرايسون يجيبني بابتسامة ماكرة قائلًا: “هذا ليس من شأن غرايسون أبدًا”. أشعر بإنه يخبأ شيئًا عظيمًا عنا، هذا الرجل المليء بالأسرار.

 من جهة آخرى، الجميع مُنشغل في أعماله بالرغم من الاجتماعاتِ المبالغ بها على حد رأيي، ولكن الجميع سعيدٌ ومرتاحٌ كثيرًا بها. لم نعد نرى السيد غرايسون في الشركة بعد الآن ولا نعلم السبب الحقيقي لذلك. في اجتماعي الأخير مع السيد آدم سألته بخصوص غياب السيد غرايسون عن الشركة وأجابني أنه قد طلب إجازة قبل تقاعده رسميًا. في الحقيقة لم تكن إجابته مقنعة بالنسبة إليّ، فسألت سام عن ذلك وأجابني بعد تثبيت نظارته الطبية: “لقد طلب إجازةً رسمية قبل تقاعده بسبب سوء حالته الصحية”، وعندما رأى صدمتي من الخبر قال سريعًا: “لا تقلقي إنه بخير، ولكن مستوى السكر لديه كان مرتفع في الآونة الأخيرة فهو يحب أكل الحلويات كثيرًا مع أن دكتوره منعه من ذلك”، أبتسم ثم أقول: “آهـ نعم. الدونات التي يوزعها علينا كل صباح!”، “أخبريني بذلك!”، ويضحك كلانا بصوتٍ عالي والذي جعل السيد آدم يخرج من مكتبه يستفسر عن سر هذا الضحك.

أعود إلى مكتبي والابتسامة لا تزال على وجهي وأُصدم عند رؤية سلة زهورٍ كبيرة على مكتبي. أقترب أكثر وأكثر والسلة لا تزال موجودة بمكانها، أي أنها حقيقة وليست بخيال. “من معجبكِ السري ذا الشعرِ الأحمر؟” تسأل كاثي. أوجه نظري إليها وابتسامتي تكبر شيئًا فشيئًا: “لا أعرف!”، أقولها وأنا أصرخ بصوتٍ خفيف. تضحك كاثي ثم تقول: “بجانب السلة ملف، ربما تكون رسالةً منه”، أُفتش عن الملف بنظري لأجده تحت السلة بقليل. أحمله سريعًا بين يديّ وأفتحه، وأتفاجأ برسمةٍ تشبهني نوعًا ما، ومكتوبٌ عليها: “هل يمكنني أن أقع بحبك؟”، انتبه للاسم بالأسفل، لقد كان موقعًا بِـ “Jay”.

يخرج جميع مَن في القسم للعودة إلى بيوتهم أما أنا فأبقى بذريعة إكمال ما بيديّ. لم أستطع إخراج جايكوب من رأسي، لقد كان كل تفكيري نحوه. لاسيما بعد الهدية التي وصلتني اليوم. أستمر بفتح ملفٍ خلف ملف إلى أن انتهيت من جميع ما كنت أريد عمله هذا الأسبوع. أحسستُ بتعبٍ مفاجئ فأغمضتُ عيناي قليلًا لأشعر بحرارتهما: “آهـ يا إلهي يجب أن أذهب للمنزل الآن!”، أنهض بقوة من مقعدي وأضع كل ما أريده في حقيبتي، ثم أتذكر السلة فأبتسم لأنني لم أنسها. ألبس معطفي سريعًا وأسحب حقيبتي بعد إقفالي الجهاز أمامي وعند خروجي أمر على سلة الورود وأخذها في طريقي.

في طريقي للذهاب إلى سيارتي أقف أمام المطعم وأبتسم، أرفع السلة قائلةً: “شكرًا، لقد أحببتها”، ثم أتحرك متجهة نحو السيارة. أقف فجأة فلقد أحسستُ بالدوران، أُغمض عينايّ قليلًا ثم أفتحهما. أمشي قليلًا وعند اقترابي للسيارة يعود إحساسي بالدوران أقوى فأفقد توازني هذه المرة، ولكن أمسكني أحدهم بقوة قائلًا بصوتٍ قلق: “إيما، هل أنتِ بخير؟”، ولكنني أُغمض عينايّ هذه المرة باستسلامٍ متمتمةً: “آسفة”.

كيف أخبره بأنني أحبه؟ *6

أستيقظ متأخرةً بعض الشيء، فالسفر يستهلك مني جهدًا ولذلك لا أفضله. عندما كانوا يخططون لنقلي إلى ماديسون وافقت بشرط ألا يكون رحلات عملي كثيرة خارج ماديسون، وهذا ما جعلني أنتقل وأستقر هنا. أنهض من سريري للمطبخ وأجد أمي تصنع الإفطار. “صباح الخير أمي الجميلة”، أقول وأنا أفرك عيني، تلف لجهتي وقبل أن ترد تضحك على شكلي: “صباح الخير حبيبتي، ما هذا بالله عليكِ؟ ألا تعرفين كيفية تسريح شعرك؟”، أقترب منها وأحتضنها من الخلف: “بلى ولكنني مجهدة، ولدي الكثير من الأعمال التي يجب أن أسرع في إنهائها”، تربت على رأسي وتقول: “أذهبي للاغتسال، الفطور أصبح جاهزًا”، أحرك رأسي بدون أن أرد. تجلس أمي بعد أن جهزت الإفطار في انتظاري. أصرخ من غرفتي: “أنني جاهزة”، وعندما أقترب من طاولة الطعام تبتسم والدتي قائلة: “هل أخذتي جميع ملفاتك؟ وهل عرفتِ أين وضعت جهازك المحمول؟”. أومئ لها برأسي وأبدأ بالأكل على عجل، “بروية حبيبتي”، تقول ضاحكة. أنتهي من إفطاري سريعًا وأمضي في طريقي.

مررتُ على مقهى في طريقي للعمل، وطلبت دبل شوت إسبريسو، كنتُ في حاجتها حقًا! أدخل إلى مكتبي بروح محارب كان قد قاتل طويلًا والآن يستريح. “أوهـ صباح الخير يا جميلة..”، ألف رأسي نحو الصوت وأجدها كاثي من بين نظاراتها تحدثني، أجيب بدون طاقة: “صباح الخير”. تحدق بوجهي ثم تقول: “لا طاقة اليوم، هاه؟”، أبتسم قائلة: “لقد اشتريت دبل شوت في طريقي. علهّا ترد لي طاقتي”، تضحك قائلة: “حسنًا.. أشك في ذلك، ولكن فلنكن إيجابيين ربما تصنع المعجزات”، أجيب هامسة: “فلنأمل ذلك..”.

تأتي جينا بكوب القهوة الإضافي، وتضعه أمامي قائلة: “أظنكِ بحاجة إلى الكثير من هذا طوال اليوم يا فتاة”، تكتم كاثي ضحكتها، وأرمقهما قائلة: “آهـ اضحكا كما تريدان!”، وتطلقا ضحكاتٍ بأعلى صوتهما وكأنهما كانتا تنتظران الإذن مني. “إذن أخبرينا ماذا حدث في نيويورك؟”، تسأل جينا وهي تتجه لمكتبها. أجيبها وأنا أرتشف القهوة: “لقد رأيت جدي أخيرًا. آهـ رؤيته أعادت لي توازن حياتي”، تكتم جينا ضحكتها قائلة: “لماذا أنتِ مضحكة هكذا اليوم؟”، لا أجيبها فقد شدّ انتباهي دخول أحدهم وبدون أي تحية أو ابتسامة، ذهبت إلى مكتبٍ بعيدٍ منزوٍ في الخلف.. بعيدًا عنا. تنقرني كاثي قائلة: “ماذا بك؟”، أشير بإصبعي نحو الخلف، ونجدها قد وضعت رأسها على المكتب وتخبئ وجهها بذراعيها. “يا فتيات.. دعونا نتركها لوحدها..”، تعقب جينا بدون النظر إلينا.

ساره:

منذُ يوم الجمعة وأنا لستُ على ما يرام.. وأقصد بذلك قلبي. فقد واجهني توم بالحقيقة التي كنتُ أريد تجاهلها كثيرًا، وهي أنه لا يريد أي علاقةٍ بي على الإطلاق. كم أنا غبية لماذا أعجبتُ به؟ ما المميز فيه حتى؟ إنه كسائر الرجال الذين عرفتهم سابقًا. قصير-بالنسبة لي- ذا شعرٍ أشقر ويرتدي نظارةً طبية. ما الذي أعجبني به يا ترى؟ صديق طفولتي مورغان أو كما أناديه مورغي، هو الشخص الوحيد الذي لم أرده أن يعلم بما حصل ولكنه أحسّ بالتغير الطفيف عليّ. يسألني كثيرًا ماذا حدث، أو يحدث معي ولكنني أتجاهل رسائله. قلما أراه وجهًا لوجه بحكم عمله في القطاع القانوني. مورغان أعرفه منذُ أن كان طفلًا رضيعًا، فهو يصغرني بستِ سنواتٍ كاملة. أنتقل هو ووالداه إلى ميلواكي عندما كان في الصف التاسع وبعد أن أنتهى من دراسة القانون هناك في جامعة ماركيت أتى للبحث عن وظيفة هنا في ماديسون. يخبرني دائمًا بأن سبب عودته إلى ماديسون هو أنا ولكنني … لا أريد أن أصدق ذلك ففارق السن بيننا يحول بين التفكير في ذلك حتى. أنا أحبه ولكن كأخٍ صغيرٍ لا أكثر، بينما هو يطلب أكثر من ذلك. لا أستطيع أن أنسى عندما علم بأن لدي حبيبًا لأول مرة، ظل ساكنًا في مكانه وكأنه يبرمج ما قلته وبعد برهةٍ ليست بالقصيرة قال لي بابتسامةٍ خبئت كل ما كان يشعر به من أسى: “أنتِ تمزحين، أليس كذلك؟”. أظنه رفيق روحي، أو بالأحرى هو نصفي الأخر ولكن.. بالتأكيد لن أخبره بذلك. حقًا لن أفعل ذلك! بعض رسائلنا لبعضنا لا تنتهي فهو في كل صباح، وفي كل يوم يجب أن يكلمني ليطمئن عليّ.

وفي يوم الأحد والذي كان يومًا خاملًا بعض الشيء، فبعد دوامةٍ من البكاء المتواصل عاهدت نفسي بالتوقف عن التصرفات الحمقاء التي أفعلها دائمًا ومن بينها معرفتي بتوم. أظنني أجلب الحظ السيئ لنفسي، ولسوء حظي أنني لا أدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان. أفتح هاتفي وأرى العديد من الرسائل من مورغان. أرسل له صباح الخير حبيبي، كما يكتبها لي هو دائمًا ولكن لا رد منه. أدخل المكتب، وسريعًا أذهب لأخر مكتبٍ في الزاوية بدون أي تحيةٍ أو سلام. أظنهن عرفنّ أنني أريد البقاء لوحدي لإن هذا ما فعلوه حقًا. الجميع من حولي يتحرك وينجز أعماله وأنا في مكاني واضعةٌ رأسي على طاولة المكتب ومخبئةً وجهي بذراعّي. في وقت الاستراحة أتفاجئ بصوتِ نقرٍ على المكتب ولكنني أتجاهله. يستمر بالنقر وأستمر بتجاهله، إلى أن همس: “حبيبتي”. أبعد ذراعي اليمنى عن وجهي قليلًا وعندما أرى وجهه أبتسم قائلة: “أهلًا مورغي”، يبتسم لي ثم يركع على ركبتيه ليقترب مني ثم يقول بهمسٍ خجول: “لقد كتبتِ صباح الخير حبيبي، وكنتُ حرفيًا في السماء التاسعة بعدها. لم أستطع الانتظار حتى أراكِ”. يُمسك بيدي ويقترب مني أكثر حتى يلاصق بوجهي ثم يهمس: “لا تجعليني أقع بحبكِ أكثر… أرجوكِ!”.

يأخذني مورغان في وقت الاستراحة القصير للمطعم المقابل لنا، مطعم J. يتركني أختار ما أريد، أما هو فجلس يشاركني هذا الطعام. إنها عادة بيننا أن نتشارك ما نأكله، يطلب أحدنا ما يريد ثم يشاركه الآخر. أتناول قطعةً خلف آخرى ويراقبني هو بابتسامةٍ غريبة. “إذن ماهي أخبارك؟”، يقول منتظرًا بابتسامة، وأجيبه بدون النظر إليه: “بخيرٍ فقط”. يضحك بصوتٍ خفيف ثم يقول: “وأنا أيضًا بخير بعد رؤيتك”، أرفع نظري نحوه وبابتسامة أقول: “رجاءً توقف عن …”، وأشير بيدي: “عن هذا..”. يضحك بصوتٍ عالي ثم يضع يديه على عينيه قائلًا: “لماذا أراكِ لطيفةً هكذا… آهـ قلبي لم يعد يحتمل!”، ثم ينظر إليّ من بين أصابعه وعندما يراني يضحك بقوة. “مورغان كفى بالله عليك”، أصيح به. يتوقف عن الضحك ويقول بعد أن أتكئ بيده اليمنى على الطاولة: “تعلمين بأنني لا أستطيع فعل هذا… خاصةً وأن خديكِ يصبحان كالطماطم بالضبط”، “هذا ليس صحيح!”. “إذن… ماهي أخبار قلبكِ؟”، يسأل بفضول. أجيبه بقول: “إنه يكره الرجال.. عن أذنك أريد الذهاب لدورة المياه”، يومئ لي برأسه وأغادر الطاولة على عجلة.

عندما أخرج من دورة المياه لا أجد مورغان بإنتظاري، كانت الطاولة خاليةً منه وأيضًا لا وجود له في المطعم. أذهب للطاولة لأخذ حقيبتي وبطريقي للخروج أُخرج محفظتي لأحاسب فيقول لي النادل: “لقد دفع السيد الذي كان معكِ”. أشكره ثم أخرج من المطعم مسرعة حتى أبحث عن مورغان، وأقابله بالخارج ينظر إلى ساعته. “هاي مورغي! تبدو وكأنك مشغولٌ نوعًا ما. فلتوصلني لعملي حتى تستطيع العودة لعملك”، يبتسم لي ثم يقول: “فقط إن وعدتني أن نتناول العشاء سويًا”، أشير بيدي بحركة أوكي.

عندما أوصلني قال وهو يضع رأسه على مقود السيارة: “هل أنتِ أفضل الآن؟”، “أظن ذلك. سأهاتفك عندما أنتهي”، أفتح الباب وعند خروجي يقول: “ساره”، ويشير إلى خده بمقصد قبلة. “آهـ أذهب بعيدًا أيها السخيف!” أقول وأنا أغلق باب السيارة بقوة، يضحك بخفة ثم يقول لنفسه: “بالتأكيد لن تفعل! أضحك على مَن؟” ويحرك سيارته نحو عمله.

عندما أصل للمكتب أراهم مجتمعين جميعهم على الطاولة الكبيرة التي بمنتصف قسمنا، فأسرع بخطاي لإيجاد مقعدٍ حتى أسمع ما يقولونه. “حسنًا بعد دراسةٍ طويلة على ملفات شركة “Pride” توصلت للآتي… أولًا: المدير التنفيذي للشركة غير معروف ولا يذكر اسمه في أي ملفٍ قانوني، وهذا إن كنتم تطلبون رأيي غريبٌ نوعًا ما”، إيما تتحدث. يشاركها الجميع الرأي ثم يقول مايكل: “مصادري تقول بإنه مهتم كثيرًا بذوي الاحتياجات الخاصة ومهتم بقضاياهم”، يقول فينيس: “آوهـ وأنا سمعتُ بذلك أيضًا.. غريب!”. تبتسم إيما قائلة: “ليس تمامًا… فقول إنه مهتم بفئة المميزين رائع، لإننا لم نتناول قضاياهم من قبل!”، “ولكننا لسنا بشركة قانونية” تقول كاثي، “هذا صحيح.. ولكن سيكون من الرائع لو اهتممنا بهذه الفئة المميزة. ستتسابق الشركات من أجل التعاون معنا وهذا ما نريده تحديدًا. ولا أقصد محليًا فقط ولكن عالميًا”، تقول إيما بابتسامة عريضة، ومرة آخرى يوافقها الجميع. أرفع يدي من بينهم، فتقول إيما: “نعم ساره”، “سؤالي حول هذه الشركة بالذات. مالمميز فيها حتى نحاول التعاون معهم؟”، تبتسم إيما قائلة: “سؤالك أعجبني ساره، شكرًا لكِ”.  تنظر إلينا جميعنا ثم تقول: “المميز بهذه الشركة أنها بدأت من الصفر وعلى يد شخصٍ واحد لا نعرف من هو حتى، وفي أقل من 10 سنواتٍ كسبت اسمها. أصبحت واحدة من الشركات التي يجب ذكر اسمها في أوائل الشركات. لأصدقكم القول إن لم يكن هذا إنجازًا فلا أعرف ماذا اسميه”، أومئ برأسي بحماسة ثم أقول: “أعرف شخصًا يعمل في هذه الشركة”، يلتفت إليّ الجميع منصتين، فأُكمل قائلة: “في الحقيقة إنها لا تعرف اسم المدير أو شكله ولكنها تعرف بإن هناك نائبًا له يُدير كل شيء. وكما سمعت بإن هذا المدير المجهول يجلب الهدايا دائمًا ويكتب البطاقات بنفسه، والعجيب في الموضوع أنه يوقع دائمًا بحرفي جي وسي”، تسأل إيما نفسها بصوتٍ يسمعها الجميع: “أظنه اختصارٌ لاسمه، أليس كذلك؟”، أجيب سريعًا: “أظن ذلك أيضًا!”، تسأل جينا: “إن كان اختصارًا لاسمه، فلماذا لا يكتبه”. يجيب ديفيد هذه المرة قائلًا: “إن ذكر اسمه بطلاقة فسيعرفه الجميع.. ربما هو شخصٌ مشهور؟”، ترد كاثي: “لا أظن ذلك.. أظنه يريد أن يفصل حياته، ولذلك لم يذكر اسمه”، يوافق الجميع كاثي. تُكمل إيما قائلة: “الأمر الثاني هو: أن أسهم هذه الشركة ضخم بالمقارنة بحجم الشركة الصغير، حيث يبلغ عدد العاملين في هذه الشركة حوالي الـ 50 شخصًا”، نُصدم مما قالته إيما فينطق ديفيد: “وهذا هو المميز بهم. لقد بنى شركته منذُ الصفر وبأقل عددٍ عاملة، واو أنا معجبٌ به حقًا!”، فيشاركه الجميع كلٌ على حدة قائلين: “وأنا أيضًا… وأنا أيضًا…”، تختتم إيما الاجتماع قائلة: “يجب أن نكون مستعدين جميعنا خلال هذين الأسبوعين. يجب أن نفوز بهذا العقد!”، ثم تضع يدها وتقول بحماسة: “اتفقنا؟”، ويبادلها الجميع بوضع أيديهم وقول: “اتفقنا!”.

بعد انتهاء الاجتماع يبادر الجميع بإكمال أعمالهم بينما قبعت أنا في مكاني أفكر بما قاله مورغان اليوم. ” لا تجعليني أقع بحبكِ أكثر… أرجوكِ!”، لم أقصد ذلك حقيقةً! لا أستطيع أن أتخيل أن يكون بيننا أي علاقة فكما أسلفت سابقًا، أكبره بستة أعوام. يقطع تفكيري يد جينا التي وضعتها على كتفي برفق وتقول بصوتٍ أشبه بالهمس: “هل أنتِ بخيرٍ الآن؟”، أبتسم لسؤالها وأرفع نظري نحوها لأراها تنظر إليّ بقلق، وبابتسامةٍ قلقة أعادت جينا كلماتها: “هل أنتِ بخير حقًا؟”، أبتسم لها ولكنني أخفض رأسي أُخفي فيها دموعي التي انسابت على وجهي بدون أن أشعر، ثم هززت رأسي وبصوتٍ مخنوق قلت: “أنا بخير”.

يمضي بقية اليوم سريعًا، وعند وقت الخروج تقترب الفتيات مني لتقول جينا: “فلنذهب لنشرب همومنا بعيدًا”، أضحك بخفة ثم أقول: “هل نستطيع أن نجعلها في يومٍ آخر، فسأقابل صديقًا اليوم؟”، تنظر جينا إلى الفتيات قائلة: “حسنًا يا فتيات فلنذهب لاحتساء بعض القهوة عند كيفن.. أعرف أن إحداكما بحاجة إليها جدًا”. تجيب إيما: “لن أذهب معكما، أريد أن أنام مبكرًا اليوم”، نضحك سويًا ثم تقول كاثي: “حسنًا يا فتيات فلنؤجلها غدًا وستتمكن ساره من الذهاب معنا، ما رأيكن؟”. ننظر جميعنا لبعضنا ثم نجيب سويًا: “حسنًا!”.

نغادر من الشركة سويًا ثم أتذكر شيئًا قد لاحظته في المطعم اليوم فأقول: “لقد ذهبت مع صديقٍ لي إلى مطعم J لتناول الغداء اليوم، ولاحظت شيئًا غريبًا! لقد كان هناك شخصٌ يحدق بنا وكأنه كان يريد أن يقول شيئًا أو ربما يسأل.. لا أعلم حقيقةً ولكن نظراته كانت.. لا أدري كيف أصفها”، تسألني كاثي: “هل كان ذا شعرٍ أحمر؟”، وأجيبها سريعًا: “نعم، لقد كان شعره أحمر”. تبتسم كاثي بدون أن تعلق ونتفاجأ جميعنا بصوتٍ غليظ ينادي من خلفنا قائلًا: “حبيبتي!”، أبقى على حالي لا ألتفت نحوه لأنني عرفت من هو صاحبه. يلتفتن الفتيات نحوه ويصدمن عندما يرونه يجري نحوهم. “أليس هذا؟ … هو أليس كذلك؟”، تسأل جينا ثم تلتفت نحوي منتظرةً إجابة. أومئ لها برأسي فتضحك بصوتٍ عالي وكأنها اكتشفت سرًا. يسلم مورغان قائلًا: “أعتذر لم أكن أقصد تخويفكن!”، تستمر جينا بضحكها الغريب ولكنها تجيب: “أهلًا بك مورغان، سعيدةٌ جدًا برؤيتك أخيرًا”، وتمد يدها مصافحةً قائلة: “جينا باركرز، تشرفت بمعرفتك”. يبتسم مورغان بابتسامة واسعة ثم يقول: “أهلًا جينا تشرفت بمعرفتك أيضًا، مورغان كونور”، ثم يلتفت للأخريات مادًا يده مصافحًا فتبدأن بالتعريف بنفسهن: “كاثي غريغوري”، “إيما جونسون”. تنقر جينا كتفها بكتفي هامسة: “ساره كونور هاه؟ لقد أحببته!”، أنظر إليها بطرف عيني ثم أنظر نحو مورغان الذي كان يبتسم محدثًا كاثي وإيما. “ساره كونور؟ أظنه مستحيلًا…”، أقولها في نفسي بحزن، وعندما أنتبه للحزن الذي صابني فجأة أقول: “يا فتيات أراكن غدًا حسنًا؟”، تمسكني جينا من يدي قائلة: “أنتِ بخير، أليس كذلك؟ هناك طيفُ حزنٍ في عينيك..”، أبتسم لها ثم ألتفت نحو مورغان لأقول: “سأسبقك”، وأمشي بخطواتٍ واثقة. كان مورغان ينظر إليّ من بعيد وقد أنتبه على ملامح وجهي التي تغيرت بشكلٍ مفاجئ، فهو لا يخفى عليه أي شيء خاصةً وإن كان شيئًا يعنيني. ألتفت للفتيات قائلًا: “سعدتُ بلقائكن جميعًا”، ثم أنحنى لهن ومشي نحوي بخطواتٍ سريعة ليلحق بي.

أمشي على غيرِ هدىً.. أمشي وفكري وقلبي مشغولان بأشياء كثيرة. مورغان خلفي ولكنه لم ينطق بأي كلمة، فقد كان ينتظرني لأبادر. أحسست بوجوده ولكنني… لم أتوقف، لم أنظر نحوه ولم أبادر بالحديث أيضًا كان الصمت سيد المكان إلا من أصوات أناسٍ حولنا وأصوات السيارات بأبواقها. توقفت فجأة وتوقف هو من بعدي. همست لنفسي: “أنا لا أستحقه..”، لم يرد، كررت بصوتٍ أعلى قليلًا: “لا أستحقك!”. أحسُّ بذراعيّ مورغان تحوطاني من الخلف ويسند رأسه هامسًا: “تستحقين الأفضل دائمًا”. أتنهد مغمضة العينين وأقول بهمس: “هل لأنني أطول قامةً عن المعدل الطبيعي، أم لأنني شقراء.. أو ربما لون عيناي الغريب أو …”، يشدني إليه أكثر قائلًا: “أنتِ كاملة. بعينيّ أنتِ كاملة.. كاملة من أجلي فقط!”. أضع كلتا يديّ على يديه لأتحرر منه فيشدني بقوة نحوه ليمنعني، أبتسم قائلة: “أريد أن أرى وجهك”، يهز رأسه نافيًا بأنه لا يريد، فأقول ضاحكة: “هيا فلنعد للبيت”. يحرر ذراعيه قائلًا: “لقد وعدتيني بتناول العشاء!”، “لا أذكر أنني وعدتك أبدًا”، أجيبه بابتسامة. يسحبني من يدي ويمشي بخطواتٍ سريعة نحو سيارته، أبتسم قائلة: “إلى أين ستأخذني؟”، يجيبني: “سأختطفك!”.

إيما ونيويورك *3

في وقتٍ سابق …

“إذن جدي ألن تخبرني الحقيقة؟”، يسأل ويل. يرفع جدي نظره عن صحنه ثم يتنحنح قائلًا: “أي حقيقةٍ تريد بالضبط؟”، “الحقيقة عن هاري.. كاملة!”، ويشدد على الأخيرة. يبتسم جدي له، فيُكمل ويل مبتسمًا: “تعرف أنني أعرف كل شيءٍ عنه. منذُ سنتين إلى الآن وأنا أراقبه”، “نعم أعلم ذلك. لقد أخبرني بيتر”، “آهـ من ذلك العجوز! كنت أعلم هذا!”، يضحك جدي على تعابير وجه ويل ثم يقول بجدية: “وما الذي ستفعله بصدده؟”. يبتسم ويل بخباثةٍ قائلًا: “كل شيءٍ تحت السيطرة. لا تقلق جدي!”، ثم يعيد كلماته: “كل شيءٍ تحت السيطرة!”.

في الوقت الحاضر …

“بعد تلك الحادثة حاولت أن أراكِ، ولكن كان هناك شخصٌ ما يمنعني من ذلك، رغم محاولاتي الكثيرة لرؤيتك. ولكنني لم أيأس. حاولتُ وحاولت ولكنها كانت دائمًا تبوء بالفشل”، يتحدث هاري وكل ما أفكر فيه هو: “مَن الشخص الذي منعه من أن يراني، هل يُمكن أن يكون جدي؟”، ما أحدث به نفسي. “لقد اشتقت إليكِ فعلًا.. لن تصدقي إلى أي حد..”، أبتسم له وفي سري أقول: “كم هذا مُضحك!”. يُكمل: “أتعرفين ماري هوكينز؟ حفيدة السيد فيليب؟”، أقول: “لا أظنني تشرفتُ بمعرفتها بعد”. يبتسم قائلًا: “ستتعرفين عليها وستحبينها. متأكدٌ من ذلك!”. أحس هاري بأنه أطال الحديث عن نفسه فسألني: “أخبريني عنكِ. ماهي مخططاتك وماذا تنوين فعله بعد أن نُقلتِ إلى ماديسون؟”. أنظر للبعيد وترسم ابتسامةً عذبة على وجهي: “سنستقر هناك”، يُصدم هاري بما قلت فيفتح فاه قائلًا: “ماذا؟ ولكنها مدينة صغيرة ليست كنيويورك أبدًا!”، “أعلم هذا ولذلك أعجبتني”، لا يزال هاري غير مصدقٍ ما قلته: “ولكن هكذا لن أستطيع أن …”، ويصمت، ألتفت إليه وبهدوءٍ أقول: “لن تستطيع ماذا؟”، ينظر إليّ ثم يقترب مني ويُمسك بكلتا يديّ بقوة ليقول بصوتٍ مرتفع: “لقد اشتقتُ إليكِ إيما، ألا تفهمين؟ أنا أحبك!”. أتفاجئ من كلماته ولكن الشخص الذي يستمع إلينا يبتسم بخباثة، ثم يأخذ هاتفه من جيب بدلته ويبحث عن آخر اتصالٍ قام به. يضغط زر الاتصال، وعندما يجيب الشخص الذي اتصل به، تزداد ابتسامته خباثةً قائلًا: “لقد حان الوقت”، ويغلق هاتفه ثم يسند رأسه للخلف على الجدار براحة، وكأنما كان يثقله همٌ كالجبال، ويقول بهمس: “لن تفلت من يدي هذه المرة”.
أعود إلى وعيي وأرمي بيديه التي كانتا تطوقاني بقوة قائلة: “آه توقف أرجوك! تمثيليتك هذه لن تنفع معي!”، يقطب حاجبيه وكأنه لم يعجبه ما سمع. أُكمل: “لم تحبني قط هاري. فلتعترف بذلك”، يهز رأسه مقطب الحاجبين: “أقسم لكِ إيما أنني أحبك ولا أزال كذلك”. أضحك بسخرية قائلة: “لا تُضحكني أرجوك!”، ثم أنظر إليه بتهكمٍ وأقول: “حُبك هذا لا أريده. فلتعطِه لضحيتك الجديدة، فلم تعد تعنيني بعد الآن!”، أهدئ من نفسي ثم أقول بهدوء: “لم أعد أبالي بك هاري”. يُصدم هاري من كلماتي التي فاجأته، خاصةً وأن مَن قالها هي تلك الفتاة التي لم يتصور يومًا بأن تكون بتلك القساوة أبدًا! أرفع أصبعي أمامه قائلة: “أرجو أن تُعيد حساباتك مرةً آخرى. صدقني سوف تندم إن فكرت بأذيتي أو بأذية ماري. سوف تندم.. أعدك بذلك!”، وأخرج في وسط دهشته مني. يضحك الذي يستمع لنا بصوتٍ خافت، وعندما أتجاوزه دون أن أنتبه له، يُمسكني من يدي لأتفاجأ برؤيته فقد كان ويل منذُ البداية. يسحبني نحوه وقبل أن أتحدث يغلق فمي بيده اليسرى، وبيده الأخرى يسحبني لمكانٍ بعيد عن هاري حتى لا يرانا. يقول بكل فخر: “إيما يجب أن أصفق لكِ. لقد أعجبتني!”، يصفق بكلتا يديه ثم يبتسم لي قائلًا: “لم أتوقع منكِ هذا أبدًا.. مَن أنتِ؟ وأين ذهبت إيما التي أعرفها؟”. أقترب منه وأضمه بقوة وجسدي يرتجف، يضمني بقوة إليه ليهدئني ويقول: “لقد أحسنتِ يا صغيرتي.. لقد أحسنتِ”، يكررها وهو يربت على ظهري. لم أستطع أن أكبح دموعي أكثر فبدأت بالنواح. يقاطعنا صوت رنين هاتف ويل، والذي يرد عليه بسرعة قائلًا: “هل وصلت؟ حسنًا سوف آتي إليك الآن”، ثم يغلق المكالمة ويُبعدني عنه قليلًا قائلًا: “عزيزتي فلنذهب سويًا. أريد أن أريكِ شيئًا..”، ويُمسك بيدي ويشد عليها بقوة. أومئ له برأسي ونذهب معًا، يدًا بيد.

نقف سويًا أمام رجلٍ لا أعرفه. يبتسم الرجل ويمد يده لي مصافحًا: “بينجامين ماثيوز في خدمتك”، أنظر له بشكٍ ولكنني أرحب به قائلة: “أهلًا بك سيد ماثيوز. إيما جونسون”، يبتسم قائلًا: “إذن هذه إيما المشهورة.. تشرفت بمعرفتك آنستي”. أبتسم له بدون أن أرد، فوجوده المفاجئ ونظراته الحادة أخافتني بعض الشيء، بالرغم من وسامته الطاغية. ينظر ماثيوز إلى ويل ويبتسم قائلًا: “أظنك بحاجة إلى هذا”، ويناوله ملفاتٍ كانت بحوزته. “شكرًا بين. لقد حان الوقت فلتدخل معي رجاءً”. ينحني أمامي ويقول: “أراكِ بالداخل” ثم يدخل بكل ثقة. أنظر إليهما بحيرة ولكنني في الأخير أتبعهما.

تتوقف الموسيقى بعد أن أشار ويل لهم بإيقافها، يأخذ كأسًا من النادل ثم يقف بالمنتصف أمام كل الحضور. ينتبه له الجميع، فيطبق صمتٌ تام في المكان. يبدأ ويل حديثه قائلًا: “سيداتي سادتي أشكر لكم حضوركم اليوم، فليوم نشارككم أخبارًا ستسركم أولها..”، يسكت قليلًا لتشويق الموجودين، ويبتسم فجأة عند رؤيته لتعابير وجوههم، فيقول ضاحكًا: “آسف، آسف. من الواضح أنكم لا تحبون المفاجآت”، يفرط في الضحك عند لمحه لرجلٍ ما فيقول ضاحكًا: “سيد أدامز لا تقلق. ستعجبك الأخبار”، ويغمزه بعينه، ولكن السيد أدامز يصرخ به قائلًا: “لا أمان منك يا ويليام!”، ثم يستدير لحوله ليقول لهم: “احذروا منه جميعكم، أحذركم!”، ليغرق الجميع في الضحك. يبتسم ويل بخباثةٍ قائلًا بهمس: “نعم، هذا صحيح..”، ويركز نظره على هاري. يزداد قلقي من نظراته هذه، ويزداد خوفي أكثر من الذي يخطط لفعله الآن. ألتفت للنظر إلى الرجل الذي بجانبي، وأراه على حاله بنفس النظرات الحادة اللامبالية. “إنه شرطي بالتأكيد! هل يجب أن أخاف؟”، ما أقوله لنفسي، ويقطع حبل أفكاري صوت ويل. “كما تعرفون لقد اجتمعنا اليوم من أجل الاحتفال بخالتي صوفيا وابنتها إيما، فقد تقرر بإنهم سيستقرون في ماديسون”، يصفق الجميع سعيدون بالخبر، ثم يرفع ويل كأسه أمام الجميع قائلًا: “فلنشرب نخبها، فلنأمل أن تجلب لكما ماديسون الكثير من الحظ والسعادة”، يصيح أحدهم: “نخبكما”، ويشاركه البقية ذلك. أبتسم لهم ابتسامةً صفراء فقلبي يعلم تمامًا بأن هناك شيءٌ خطير سيفعله ويل.. وهذا لأجلي.. أعلم هذا.. “فلتهدأ يا قلبي رجاءً”، أخاطب نفسي. يُكمل ويل حديثه: “أما الخبر الثاني …”، يحتار قليلًا بماذا يقول أو كيف يبدأ ولكنه يزفر أخيرًا قائلًا: “حسنًا لن أُطيل عليكم كثيرًا، سأقولها دفعةً واحدة، بدون أي مقدمات”. ينظر إليه الجميع بجميع حواسهم منتظرين ما سيقوله. “عزيزنا هاري وينتر معنا اليوم.. وكما يعلم بعضكم أننا، وأقصد بذلك أنا وعائلتي، فقدنا الثقة بهذا الرجل منذُ سنتين تقريبًا، ولكنني منذُ ذلك اليوم وأنا أراقبه بعينيّ صقرٍ كما يقولون”، يبتسم ثم يقول وهو ينظر إلى هاري الذي صُدم مما يقوله ويل عنه أمام الجميع. تزداد ابتسامة ويل عندها ثم يقول: “بهذه الملفات التي خلفي يا هاري، أعدك بأنك ستزج في السجن لسنواتٍ عديدة. ليس فقط لاحتيالك على رجال الأعمال، بل أيضًا لتبييضك الأموال وغيرها الكثير من المخالفات التي أظن أنها ستسر الشرطة كثيرًا”، يُصدم الجميع مما قاله ويل، فتبدأ أصوات الاستهجان تعلو غير مصدقين ما حدث. أُصدم مما قاله ويل، لم أكن أريد أن أُصدق ما قاله، ما قاله كان … لحظة.. هل قال سجن! فجأة يقول أحدهم: “ويليام، هل أنت متأكدٌ مما تقوله؟ يستحيل أن يفعل هاري كل هذا! إن هاري …”. يقاطعه صوتٌ آخر يقول: “نعم، أعرف هاري جيدًا. يستحيل ذلك!”، يضحك ويل قائلًا: “لا بأس. لا تصدقوني..”، ثم يوجه نظره نحو هاري، الذي كان متألمًا مما سمع، لقد أحس وكأنه لا شيء. كم كان يكره هذا الشعور والآن ويل يفعله، وله بالتحديد! يقول ويل: “حسنًا جميعًا هدوء أرجوكم. لقد كانت مسؤوليتي أن أخبركم الحقيقة، ولكن.. لكم مطلق الحرية بالتصديق. كنت ومازلت على كلمتي يا سيد أدامز، وقد أخبرتك من قبل ألا تثق به. هل تتذكر؟ يؤسفني قول ذلك ولكن لقد تم التلاعب بكم..”، “يإلهي لا أصدق! أموالنا يا عزيزي..” زوجة السيد أدامز تكلمه. ويعم المكان أصوات استهجانٍ كثيرة، وفي وسط هذه المعمعة ووسط صدمتي أيضًا أقول: “أرجوكم أن تهدأو.. متأكدة أن ما يقوله ويل صحيح ولكن.. يجب أن نهدأ أولًا”. يلتفت الجميع حولهم باحثين عن هاري ولكن لا أثر له، يصرخ أحدهم: “لقد اختفى هاري!”، وتعود إلى ذاكرتي ما قاله لي مرة: “عندما أختفي فجأة من مكانٍ ما، أعلمي بأنني قد أخطأت بشيءٍ ما”، آهـ إذن لقد هرب.

بعد ما حدث يخرج الجميع تباعًا ساخطين ومتوعدين هاري أشد الوعيد. يبقى الشرطي معنا من دون أن يتحدث أو يعلق بأي شيء. كنت كثيرة النظرات نحوه، وربما أحس هو بذلك أيضًا. بعد خروج الجميع ذهبت لأحادثه قبل أن يتحدث إليه ويل: “سيد بينجامين أنت شرطي، أليس كذلك؟”. يبتسم لي ابتسامةً جميلة قائلًا: “أنا محققٌ سريّ”. أُلجم من كلماته، فأقول: “إذن أنت الذي أخبرت ويل بكل شيء؟”، لا يزال بابتسامته ذاتها: “لقد كانت لديه شكوكٌ حول وينتر، فأستعان بي ليؤكد شكوكه”، “ولكنه قد هرب من هنا، فهل ستبحث عنه؟”. يضحك المحقق ثم يقول: “ربما هرب من هنا، ولكن الشرطة في أثره فلا تقلقي”، أنظر حولي ولا يوجد أي أثرٍ لجدي والبقية. أحني رأسي له قليلًا قائلة: “أرجو أن تعذرني”، ويرد سريعًا: “تفضلي”. أذهب نحو مكتب جدي لأجد الباب مفتوحًا على وسعه. أقترب من الباب وأتفاجئ برؤية ويل راكعًا على ركبتيه، وجدي يحملق إليه صامتًا. أمي، خالتي روث وكايت كانوا ينظرون إلى جدي بقلق منتظرين أن ينبس، ولكنه لم يتفوه بأي شيء. “مالذي يحدث هنا؟”، أقول بصوتٍ عالي، فيلتفت الجميع إليّ. يهرع ويل إليّ وهو في أوج قلقه قائلًا: “هل أنتِ بخير إيما؟ لم يحدث لكِ أي شيء، صحيح؟ آهـ أظنني تسرعت باتخاذ القرار! لم أكن واعيًا خطورة الموضوع على الإطلاق. كنت أريد أن أوضح للجمــ….”، أقاطعه: “العكس تمامًا! لقد كان آمم.. ناجحًا على ما أظن. لا أظنني أستطيع إيجاد الكلمة الصحيحة”. يقهقه ويل بأعلى صوته ويشاركه الجميع الضحك حتى جدي. تقول أمي: “لقد كان أبي غاضبًا منه بسببك”. أنظر إليهم مندهشة ثم أقول: “ولماذا هذا كله؟ لقد أستحق ما حدث له”. يضع ويل يده على رأسي ثم يبتسم قائلًا: “أنا مرتاحٌ الآن وأستطيع أن أتزوج بكل أريحية”، ثم يوجه نظره نحو كايت ليقول لها بابتسامةٍ لعوب: “ما رأيكِ لو تزوجنا غدًا”. نصرخ بصوتٍ واحد: “ويل!!!”، يمسك ضحكته ويقول: “أمزح يا جماعة. ارتاحوا قليلًا..”. ينظر إلى جدي بجدية غير مألوفة لنا قائلًا: “أعتذر يا جدي على ما حدث اليوم ولكن كان يجب أن يحدث اليوم أو غدًا، فأرجو أن تتفهم”، يحرك جدي مقعده للخلف في حركة يقصد بها أنه لا يريد أن يتحدث. تفهم ويل قصده وبصوتٍ حازم قال: “إذن عن أذنكم”، ثم خرج. نتبادل جميعنا النظرات فيما بيننا ثم نقرر الخروج من مكتب جدي.

بالخارج وجدت ويل برفقة ماثيوز يتحاوران، ومن جدية نظراتهما علمت بأن الشأن يخص هاري، أي أنها لم تنتهي بعد ولكن.. هذا لا يهمني. أذهب نحو كايت لأتكلم معها وأتفاجئ برؤيتها وحيدة في زاوية الصالة الكبيرة. أقترب منها قليلًا، وعندما لمحتني أجهشت بالبكاء. يتناهى إلى ويل صوت بكاء أحدهم، فيلتفت للمصدر ويجدني أعانق كايت التي تبكي بصوتٍ مكتوم. يفز من مكانه ويجري نحوها قائلًا: “ما بها؟ ماذا حدث؟”، أنظر إليه باستهزاء وأقول: “أنت السبب!”، يلتفت نحو ماثيوز ويقول له: “أعذرني بين. سأتي لرؤيتك غدًا، حسنًا؟”، يومئ ماثيوز برأسه متفهمًا ويبدأ بجمع حاجياته. “سيد محقق”، يرفع ماثيوز رأسه لمصدر الصوت ثم يبتسم عندما يراني قائلًا: “نعم آنستي؟”، أبادله الابتسامة وأقول: “هل يمكنني مرافقتك للخارج؟”، “بالطبع”.

نخرج للباحة سويًا وقبل أن أتكلم سأل هو: “في الحقيقة ماديسون مسقط رأسي”، “آوهـ لا أصدق!”، يجيبني بحماسة: “آهـ نعم. جئت لنيويورك للدراسة ومن ثم فتحت مكتب التحقيقات هنا”. أسأله بفضول: “وهل كنت تعرف هاري من قبل؟”، يجيبني سريعًا: “لا، لا!”، يمشي بتأنٍ ليجاري مشيتي. يقول بعد صمتٍ مقصود: “لقد أحتال على صديقي سابقًا”، “ومتى حدث ذلك؟”، “ربما قبل السنتان والنصف أو الثلاث سنوات.. لا أتذكر بالضبط”. أبتسم قائلة: “وهكذا تعرفتما على بعضكما؟ أقصد ويل”، يبتسم بدون النظر إلي: “ليس تمامًا. تعرفي عليه كان بمحض الصدفة”. أنظر إلى السماء في صمت وأحس بشيءٍ على كتفي، ألتفت عن يميني لأجده يبتسم لي قائلًا: “الجو بدأ يبرد”، أُمسك بجاكيته بطرف أصبعي وأقول بابتسامة: “أشكرك”، يبادلني الابتسامة ثم يُكمل: “كنت مع صديقي في حانة في منطقة مانهاتن. كنا نتحدث بخصوص ما حدث له. تعرفين النصب والاحتيال الذي حصل له، وبحكم عملي كان يريدني أن أراقبه حتى يمسكه بالجرم المشهود ويسلمه للعدالة..”، ينظر لي ثم يبتسم: “كان ويل بجانبنا”. أفتح فمي على وسعه، يضحك هو ثم يقول: “آهـ نعم، ومنذُ ذلك اليوم ونحن نخطط.. أقصد نراقبه”، “ويل الشرير. لم يخطر ببالي أبدًا أن بإمكانه فعل هذا”. ينظر ماثيوز للأسفل ويجيبني: “لقد فعل كل هذا من أجلك. أظنني أعرف هذا الشعور. فأنتِ بمثابة فردٍ من العائلة”، أبتسم: “نعم، نحن كذلك..”.

أودعه بحرارة راجيةً أن أراه عن قريب. أعود للمنزل بخطىً سريعة فقد كان الجو باردًا بالفعل. أذهب إلى غرفتي مباشرة وبعد أخذ حمامٍ سريع غسلت فيها شعري، فأنا لا أحبه أن يكون مسرحًا. أمشي بخطواتٍ ثقيلة نحو السرير وأرمي نفسي مغمضةً عيناي فقد كان يومًا طويلًا. أفتح عيناي فجأة عندما أتذكر أنني نسيت هاتفي في الصالة. “آهـ لا أستطيع النهوض لجلبه. أريد أن أنام…”، وعندما أُغمض عيناي بخفة أدخل في نومٍ عميق.

في صباح اليوم التالي كان يومًا عاديًا، أكملت فيها الأمور العالقة من نقل حاجياتنا إلى ماديسون وغيرها. جدي كان على غير عادته، لم يتكلم كثيرًا ولم يعلق بأي شيء على ما حصل البارحة. ويل وكايت تصالحا ولله الحمد على ذلك، فويل يكون مزعجًا جدًا عندما تغضب منه كايت. والدتي وخالتي روث كانتا سعيدات، إذ استيقظتا مبكرًا وباشرتا خططهما بما سيفعلانه طوال اليوم. هاتفي الذي كنت قد نسيته البارحة في الصالة الكبيرة وجدته في مكتب جدي، بعد تحقيقاتٍ طويلة مع الخدم عن مكانه. عند فتحي للهاتف أتفاجئ بوجود رسالة نصية من رقم هاتفٍ لا أعرفه، تقول الرسالة: “أنا آسف على كل شيء..”، أبتسم بيني وبين نفسي لإني عرفت من هو صاحبها. فهل عرفتم؟

في وقت الظهيرة أذهب لمكتب جدي، وبعد أن أذِن لي بالدخول ذهبت نحوه لأقبله على رأسه. يقول لي متفاجأً: “ماذا بكِ يا ابنتي؟”، “وهل تقبيل جدك أمرٌ غريب؟”. يضحك قائلًا: “لا، بالتأكيد لا”، أحوطه بذراعي لأعانقه وأقول بأسى: “سأشتاق إليك جدي. لا أعرف كيف عشت أسبوعًا هناك بدون رؤيتك”، يبتسم ثم يربت على ذراعي. أشد بعناقي وأقول له هامسة: “يجب أن تعذر ويل على تصرفه البارحة”، يشد على يدي قائلًا: “لم أقل بأنني غاضبٌ منه أبدًا. كل ما في الأمر أنني أريده أن يراعي تصرفاته أمام الجميع وخاصة إن كانوا أصدقاء قديمين”، “معك حق في ذلك”. نبقى لحظاتٍ هكذا، بهذه الوضعية لأعوض ما فاتني من حنانه وما سيفوتني بعد ذلك..

في الرابعة نودعهم بثقل فلم نشبع منهم بعد، ولكننا يجب أن نغادر. يذهب ويل معنا في السيارة وطوال طريقنا للمطار كان يُمسك بيدي بقوة كطفلٍ يعلم بأن أمه ستتركه ولن تعود بعد الآن. كنتُ سعيدةً بالعودة لماديسون فهناك العديد من هم بانتظاري ككاثي، ساره وجينا… وأيضًا جايكوب. أبتسم بخجل لذكرى اسمه، ويتبادر لذهني آخر لقاءٍ حصل بيننا. كيف أنني هربت منه ومن مشاعري حتى لا أؤكدها. نصل إلى المطار وبعد الأحضان الطويلة والوصايا التي لا تنتهي، ركبنا الطائرة إلى ماديسون.

نصل إلى ماديسون ليلًا، ونتحرك للذهاب إلى بيتنا الجديد. كان الجو باردًا بعض الشيء فليالي سبتمبر الباردة قد بدأت. “إذن هذا هو بيتنا؟”، أنظر من نافذة سيارتي، وتجيبني والدتي: “نعم هو. هل أعجبك؟”، أبتسم بابتهاج: “لقد أحببته. كان حلمكما أن يكون لديكما بيتٌ كهذا”، ترد بحنين: “هذا صحيح”. نقف سويًا أمام البيت فأقول لها بشقاوة لم تعهدها: “فلنأخذ صورة للذكرى”. نتموضع جيدًا للصورة وأقول: “مستعدة؟”، تهز رأسها إيجابًا، ونأخذ الصورة. كانت لقطةً عفويةً جدًا بين أمٍ وابنتها، وبكل حبٍ كانتا ترسمان مستقبلًا جديدًا لهما. أذهب إلى غرفتي الجديدة وعلى سريري الجديد أرمي بنفسي لأنام، فغدًا سيكون يومٌ طويل.

إيما ونيويورك *2

أستيقظ على صوتِ طرقٍ على الباب ثم يأتيني صوتٌ من الخارج يقول: “آنستي … آنستي …”، أجيبها: “نعم تونيا، لقد استيقظت!  تفضلي بالدخول”. تدخل الغرفة ثم تقول: “آنسة إيما، السير مارتن يريد رؤيتك وتناول الفطور معكِ”. أنظر إلى الساعة الموجودة بجواري قائلة: “هل أستيقظ الآخرون؟”، “ليس بعد آنستي” تجيبني نافية. “حسنًا تونيا أمهليني بضع دقائق فقط، سأنزل في الحال”. تجيبني وهي مغادرة: “حسنًا آنستي”. أرمي بجسدي الثقيل على السرير قائلة: “كله بسببك ويل. لم أستطع النوم مبكرًا البارحة”. أصرخ: “آآآآه يجب أن أنهض الآن!!”، وأنهض مسرعة لدورة المياه حتى أتجهز.

“صباح الخير جدي” أقول موجهةً نظري إليه، يرفع نظره من الملف الذي أمامه ثم يبتسم قائلًا: “أهلًا حلوتي”، أذهب نحوه لأقبله على خده، تزداد ابتسامته ثم يقول: “كم اشتقت لقبلاتكِ يا صغيرتي”. أبتسم له وأقول ضاحكة: “المرة القادمة سوف أرسلها لك في البريد السريع، لا تقلق”، يأتي صوتٌ من الخلف يضحك ويقول: “آه كم اشتقت لسخافاتك يا ابنة خالتي”. يضحك جدي وعندما يأتي ويل حتى يقبله على رأسه يضربه جدي على رأسه ويقول: “كم أنت وقحٌ يا ولد. أنه من لمؤسف بإن كايت ستتورط بك”. أضحك بصوتٍ عالي ليقول ويل: “جدي لمَ قلت هذا!”، يذهب ليجلس في الكرسي الآخر زامًا شفتيه كعلامة غير رضا. أثناء ذلك يدخل كبير الخدم السيد بيتر قائلًا: “سير مارتن إنهم ينتظرونك على الساعة 11″، يتنحنح جدي قائلًا: “شكرًا بيتر لتذكيري، يمكنك الذهاب الآن”. يغادر السيد بيتر، ونبقى نحن لوحدنا يلفنا الصمت الثقيل، ولكن جميع حواسنا مع جدي، تنتظره حتى يقول شيئًا.. أي شيء. ملامحه تقول ذلك! يطول صمته، ولكنه ينطق أخيرًا بعد أن تنحنح قليلًا قائلًا: “لقد أيقظتكم حتى أخبركم بأمرٍ مستعجل …”، يترفق بكلماته قليلًا، وكأنه يتخير كلماته بعناية ثم يقول: “إنه يخص هاري وينتر”. نفتح أعيننا على وسعيهما من الصدمة، يُكمل جدي: “من الجيد بأنه لا أحد أستيقظ بعد، فما سأقوله لكما سرٌ لا أحد يعلمه، وآن الوقت لأقوله لكما.. وحدكما!”. ينظر لي ويل بعينين قلقتين، وأبادله النظرات ذاتها، يُكمل جدي بدون أن ينظر إلينا: “هل تتذكران صديقي فيليب؟”. نومئ برأسينا سويًا، ثم يقول: “لقد سمعت من مصدرٍ موثوق بأن هاري يخطط للزواج من حفيدة فيليب”، يوجه نظره نحونا هذه المرة ثم يقول: “مصدري الموثوق يقول بأنه يخطط لذلك منذُ فترةٍ طويلةٍ الآن، ولكنه لم يؤكد بعد ما إذا كان هاري سيفعلها أم لا.. لذلك اجتمعت بكم للحؤول دون ذلك”. يبتسم ويل وكأنه خطط لكل شيءٍ قائلًا: “أعلم بأنها فكرةٌ غبية، ولكن ما رأيكم لو… اجتمعنا عليه جميعنا مع الحراس وضربناه.. هاه، هاه، فكرةٌ جيدة؟”، ينظر له جدي بتشكيكٍ لقواه العقلية ثم يقول: “كان الله في عونكِ يا كايت”. أظل صامتة، مركزةً نظري نحو الأسفل، فيقول ويل بصوتٍ قل حماسه عن قبل وهو ينظر إليّ: “هل يجب أن أضربه حقًا؟”. يظل الجميع صامتين، فأنطق أخيرًا بصوتٍ أشبه بالهمس: “أعذروني.. إفطارًا شهيًا”، وأخرج مسرعةً بدون أن أسمع ردهم عليّ. بعد أن أغادر يقول جدي: “هذا ما كنت خائفًا منه. آه إيما، ليته كان أنا”. ينظر ويل لجدنا قليلًا ثم يُكمل إفطاره بدون أن يعلق بأي شيء.

أرمي بنفسي على السرير بقوةٍ أداري فيها ما يشغل بالي وقتها. أُغمض عيناي ثم أزفر بقوةٍ قائلة: “كنت أظن بأنني لن أسمع باسمه ثانية.. ربما حان الوقت لوضع حدٍ لكل هذا!”، أفتح عيناي على وسعيهما وبكلِ عزيمةٍ أقول: “نعم.. يجب أن أغلق صفحته من حياتي، فقد حان الوقت لذلك!”. أبتسم بيني وبين نفسي عندما توسط هو في ذهني.. “لأجلك يجب أن أفعلها! لأجلنا!”.

أبقى طوال النهارِ في غرفتي. لا أريد رؤية أحدٍ الآن، فأنا غير مستعدةٍ بعد.. “آه لقد تذكرت معاملات شركة (Pride)، فلأشغل نفسي بها”. أخطو خطواتٍ بسيطة لجلب حقيبتي. أظل واقفةً أمام حقيبتي لفترة، أنظر إليها بدون أي حركة.. أتذكر آخر مرةٍ ذهبت إلى مطعم J، “آه تبًا، لقد لمسها!”، أتذكر كل ما حصل يومها، وأُغطي عيناي بكلتا يدي أستصرخ بصوتٍ مكتوم.. “يإلهي ماذا سأقول عندما أراه؟ بل كيف يمكنني رؤيته بعد ذلك اليوم! أنا وفمي”، أبدأ بضرب فمي ضرباتٍ خفيفة ثم أبتسم عندما أذكر رؤيته في مرآة المطعم يبتسم ويبتسم قلبي معه.. كنت أظن أنني لن أعرف الحب قط وهـ أنا كمراهقةٍ في الرابعة عشر من عمري تُعجب بفتًى لأول مرة. يسرقني من تفكيري هذا صوت هاتفي المحمول، أنظر إلى هاتفي الموضوع على الرف بجانب السرير ثم أتذكر: “نعم الحقيبة أولًا”. وأذهب مُسرعة لهاتفي وأبتسم عند رؤيتي للاسم وأجيب سريعًا قائلة: “أهلًا كاثي”. تجيبني: “آوه إيما كيف حالكِ؟ أرجو أن يكون كل شيءٍ بخيرٍ عندكِ”، “آهـ نعم، أنا بخير والجميع هنا بأفضل حال. ماذا عنكِ؟”، “أجل أنا سعيدة والجميع بخيرٌ هنا”. أتوسد السرير مغمضةً عيناي ثم أقول لها: “هل عرفتِ ما بها ساره؟”، تجيب بقلق: “لا، لم أستطع رؤيتها. حاولت مهاتفتها مرارًا ولكن لا مُجيب”. أقول لنفسي: “آمل أن تكون بخير”، تقاطعني قائلة: “لقد ذهبت للإفطار مع ديفيد اليوم في مطعم J وخمني مَن وجدت أمامي!”، أُجيب سريًعا: “مَن؟”، تضحك قليلًا ثم تقول: “الوسيم ذا الشعر الأحمر!”. أُمسك بقلبي بقوة وأقول متصنعةً القوة: “آهـ، وماذا كان يفعل؟”، تُجيب: “أظنه كان يبحث عن أحدٍ ما … لأصدقكِ القول، فقد كان ينظرنا إلينا من وقتٍ إلى آخر ويعود للنظر إلى الباب تارةً آخرى. بالرغم من وجود العديد من الملفات على طاولته، ولكنه لم يعبأ بها كثيرًا. لقد أحزنتني عيناه كثيرًا..”. أستمر بالضغط على قلبي، مغمضةً عيناي: “لماذا قلتِ لي هذا؟ والآن؟”. تجيبني وهي تبتسم: “لا أعرف.. ظننت الأمر يهمك… أعرف أنكِ معجبةً به، وهو كذلك!”. أفتح عيناي هذه المرة لأقول بكل يقين: “لا…. أنا أحبه!”.

بعد انتهائي من مكالمة كاثي تردني رسالة من ويل يقول فيها: “هل أنتِ بخير؟”. أضحك بصوتٍ عالي وأقول: “نعم ويل، أنا بخير”، أسمع صوته من خلف الباب يقول: “هل تريدين تناول الغداء معنا؟”، أذهب لفتح الباب وأواجهه قائلة: “تقصد أنت وكايت؟”، يبتسم لي: “سعيدٌ لرؤيتكِ سعيدة هكذا”. أجيبه بصدق: “لقد هاتفتني زميلتي في العمل كاثي، وجلسنا نتحادث طويلًا… كانت السبب في تبديد همومي..”، يجيبني بعد أن يتكأ بجانب الباب: “وهل هاري يهمكِ لهذه الدرجة؟”، أجيب بسرعة: “بالطبع لا! ولكنني…”، أنظر للأسفل وأُطيل في صمتي. يقول: “سوف نت…”. أقاطعه: “لم يعد يهمني على الإطلاق! سوف أضع حدًا له اليوم!”، أرفع نظري إليه قائلة: “بالتأكيد أنتَ معي!”. تتسع ابتسامته ويعدل من وقفته ثم يضمني قائلًا: “بالتأكيد! للأبد!”، نضحك سويًا ويقاطعنا صوت هاتف ويل ليتجمد هو في مكانه قائلًا: “آهـ اللعنة! لقد نسيتُ كايت!”، أضحك بصوتٍ عالي ويفاجئني بوضع يده على فمي مهددًا إياي بعينيه حتى لا أتكلم. يجيب على هاتفه: “آسف حبيبتي أنا في الطريق الآن.. نعم إيما معي كما طلبتِ. نعم عرفته سأكون هناك بعد قليل. وداعًا”. يفلت يده ثم ينظر إلى ساعته قائلًا بعجلة: “لقد تأخرنا.. سأنتظركِ في الخارج”، أومئ برأسي له ثم يذهب للخارج. أعود لغرفتي لأخذ حقيبتي بعد ملئها بما أريد، وبينما أنا أغادر أتذكر حديثي مع كاثي وتتسع ابتسامتي أكثر. كنت بحاجة إلى حديثها عنه. لقد اعترفت لغيري بحبه! إنه إنجازٌ بالنسبة لي بعد الذي حصل معه. هاري!

بعد لقاء كايت الذي أستمر حوالي الأربع ساعات، عدنا إلى القصر سويًا. طوال يومنا كنتُ أشاهدهما معًا، كيف هما متناغمان ومتفاهمان مع بعضهما. يصبحان شخصًا واحدًا وهذا ما أسعدني كثيرًا، فقد بقي ويل يلاحقها طوال الثلاثة أعوام، وكانت هي ترفضه بحكم اختلاف عالميهما، ولكن مَن يشاهدهما الآن لن يحزر ذلك أبدًا! لقد وجد ويل نصفه الأخر بالفعل.. كم هو محظوظ!

أذهب أنا وكايت لغرفتي لنستعد للحفلة، ونحن في خضم وضع مساحيق التجميل نتفاجأ بصوت طرقٍ على الباب والذي كان ويل: “لقد جلبت لكما بعضًا من القهوة يا سيداتي”. يقترب منا ليضع القهوة على المنضدة، ثم يرفع نظره لكايت التي انتهت من وضع المساحيق على وجهها، يبتسم عند رؤيتها بعينين مليئتان بالحب: “هل انتهيتِ يا عزيزتي؟”، ويقترب لوضع قبلة على رأسها فتهمس هي: “هل أعجبك؟ لقد ساعدتني إيما في وضعه”، يضع يده اليمنى على خدها ويتأمل تقاسيم وجهها بحنية ثم يقول: “رائعةٌ كما عهدتك!”.

يبدأ الحضور بالقدوم، أصدقاء جدي من السفارات في الولايات المتحدة من جميع دول العالم، وأيضًا أصدقاء والدي رحمه الله فالحفل على شرفنا اليوم، ولا أنسى حضور العديد من الشخصيات المهمة في نيويورك وخارجها أيضًا. ارتديت فستانًا باللون الأخضر الزمردي، وتركت شعري مسدلًا على جانبي الأيسر، بدوتُ غريبةً نوعًا ما أو بالأحرى كان ينقصني شيءٌ ما. أنظر للحضور بابتسامةٍ مبتورة، وحيدةً مع كأسِ شمبانيا بيدي اليُمنى. أُسلم على الحضور تارةً وتارةً أتحدث عن الشركة التي أعمل بها، كانت ليلةً طويلة ولكنني كنتُ على أهبة الاستعداد لمجيئه. يسرق جدي الكثير من النظرات نحوي ليطمئن بأنني بخير، وعندما ألاحظه أبتسم له فيرد لي الابتسامة مع قبلةٍ طائرة.

“من الرائع رؤيتكِ هنا!”، أعرف هذا الصوت جيدًا، ولكنني خائفة… خائفة من رؤية الشخص الذي ورائي، أُغمض عيناي بقوة وأبدأ بالعد داخلي حتى أهدأ، أفتحهما وبابتسامةً واسعة أقول: “لا أستطيع أن أقول هذه الكلمات لك!”، وألف ببطء نحوه لأواجهه. يُصعق من رؤيتي، أراه يدقق في ملامحي، في شعري وفي فستاني. ينظر إليّ من الأعلى للأسفل، يرمقني بنظراتٍ لم أعهدها منه من قبل. لقد كان يتأملني! وقفنا مطولًا، لا أعلم كم كانت بالضبط المدة ولكنني أحسستُ بأنها طويلة. أنتبه لملامحه التي بدأت باللين تدريجيًا ويبدأ بتحريك شفتيه قائلًا: “لقد أشتـ….”، فأقاطعه: “تبدو بأفضل حال.. أنا أيضًا كذلك!”. يبتسم لي قائلًا: “أستطيع رؤية ذلك.. سمعتُ بأنكِ نُقلتِ لمدينة ماديسون، هل هذا صحيح؟”، “إنه يعلم أخباري، هذا مفاجئ قليلًا! لماذا يعرف أخباري؟”، أقول لنفسي ولكنني أُجيبه باقتضاب: “آهـ نعم، هذا صحيح”، يبتسم لإجابتي ثم يقول: “جميلةٌ كعادتك.. لا أعرف كيف تركتك.. غبيٌ، أليس كذلك؟”. أنظر إليه بدون جواب، فيقول: “هل تقبلين الرقص معي؟”، أُجيبه: “لا أستطيع رفض دعوة رجلٍ محترم”، تزداد ابتسامته، فيمد يده لي لأتلقفها ونذهب لوسط صالة الرقص. يضع يده اليمنى على خصري والأخرى يمسك بيدي، أحاول الابتعاد عنه ويشدني نحوه بقوة. مع بدأ الموسيقى نبدأ بالرقص على مرأى جدي ووالدتي. نستمر بالرقص بخفة مع الموسيقى الهادئة. لقد اشتقت للرقص معه، ولكنه يفسد هذه اللحظة بقوله: “لن أسمح لكِ بأن تتركيني”، يقولها بعينين تتوهجان، وأُجيبه ضاحكة: “لقد تركتني منذ سنتين! هل نسيت؟”، نتوقف عن الرقص ليقول: “ولكنكِ أنتِ من تركني ولستُ أنا! لم أكن أريد أن أترككِ!”، أفلتُ يدي من يده وأضربه على خده بقوة، ثم أقول: “هل نسيتَ ماذا فعلت بي؟ وماذا كنت تريد من عائلتي؟ والآن… الآن فقط تأتي أنت وتقول أنا السبب؟!”، أُقهقه قليلًا قائلة: “لا تجعلني أضحك أرجوك!”. في وسط دهشته مما قلت، ينظر لي بشك، غير مصدقٍ ما جرى. ينتبه لهدوء جميع من في الصالة ومراقبتهم لحوارنا، ومن بينهم عائلتي التي تتطاير من أعينهم الشرر. يمد يده لي قائلًا: “هل يمكن أن نتحدث بالخارج؟”، أنظر لمن حولي ثم أقول محنيةً رأسي: “أعتذر منكم!”، وأخرج من الصالة مسرعةً بخطواتي. ينحني هاري بجذعه ثم يتبعني.

في الشرفة الخارجية كنت أنظر للسماء، وبداخلي كنت أعد حتى أُهدأ من روعي. أغمض عيناي برفق، ضامةً نفسي فقد كان الجو باردًا نوعًا ما. لم أنتبه إلا عندما وضع سترة بدلته على كتفي قائلًا بأشبه بالهمس: “الطقس باردٌ عليكِ”، أفتح عيناي وأنا أُمسك بسترته بقوة: “لا تدعي وكأنك قلقٌ عليّ أرجوك!”. قال بحنية: “لا أستطيع مجاراتكِ إيما.. قولي كل ما تريدين قوله، أنا لن أتزحزح من مكاني حتى أوضح سوء الفهم الذي حصل منذُ سنتين..”. نبقى صامتين هكذا لمدة، لقد كان ينتظرني أن أتكلم. “آمم.. آسفة على ضربك. لا تستحق ذلك…”، يقول بابتسامة واضعًا يده على خده: “آهـ أظنني أستحقها.. لم تكوني مخطئةً أبدًا…”، أضحك قائلة: “أظن ذلك أيضًا..”. “هل تذكرين آخر مرةٍ تقابلنا فيها؟ لم أستطع الكذب عليكِ.. لقد أخبرتكِ الحقيقة التي كنتُ أخجل منها”. يطأطأ برأسه للأسفل قائلًا: “كنتُ أريد أن أجري خلفكِ يومها، كنتُ أريد إصلاح كل شيء..”، يدير رأسه نحوي ثم يقول: “كنتُ أحبك…” وبهمسٍ يقول: “وما زلت”، يبتسم بألم ثم يرفع نظره نحو السماء ويزفر. أبتسم لنفسي لأن كلماته لم تحرك فيني أي شعرة.

في الداخل كان هناك شخصٌ يتابع كل ما يجري ويسمع حديثنا، والذي كان يشد على قبضته اليسرى ويكزٌّ على أسنانه متوعدًا هاري ….

إيما ونيويورك *1

تحط طائرتنا في مطار جون إف كيندي / نيويورك، ويكون بانتظارنا ابن خالتي ويل، الذي كان يشاهدنا من بعيد. أشعر بنظراتٍ تخترقني وعندما ألاحظه واقفًا ينتظرنا، أبدأ بالركض نحوه ليضحك هو بأعلى صوته قائلًا: “هل اشتقتِ إليّ لهذه الدرجة؟”، وعندما أصل إليه ألف بيدي حول جذعه مخبئةً وجهي داخل صدره. أخبئ دمعاتي التي كنتُ أكتمها منذُ الصباح ولكن صوتي يفضحني. شدني إليه أكثر وأخذ يقبل رأسي ويقول هامسًا: “أرجوكِ توقفي. لم أعلم بأنكِ افتقدتني لهذه الدرجة”، يرفع نظره نحو أمي فيبتسم عندما يرى عيناها مليئتان بالدموع هي أيضًا فيفتح يده على وسعها لتأتي أمي هي أيضًا وتحتضنه. “سيد وليام، مالذي تفعلونه؟” نلتفت جميعنا لمصدر الصوت ويكون أمامنا السيد بيتر خادم عائلة والدتي. عائلة تايلور.

يأخذنا الخادم مع السائق إلى قصر عائلة تايلور.. قصر جدي سير مارتن جون تايلور. وفي السيارة يظل ويل ووالدتي يتحدثان بخصوص المنزل الجديد والنقل إلى هناك وكل هذا.. أما أنا فأظل أتابع الطريق بدون أي تفكير أو هذا ما ظننته في البداية، فقد ظل مكانه في ذهني طوال اليوم. “والدتي تريد أن تقيم حفلة على شرفكما غدًا” يقول ويل. تضحك والدتي قائلة: “آه والدتك واحتفالاتها.. ألم أقل لكِ بأنها ستقيم حفلة غدًا!”،”خالتي لا تخيب ظني أبدًا” أقول بدون أن أنظر لهما. ينظر إليّ ويل بجدية قائلًا: “في الحقيقة أظنها ستخيب ظنكِ هذه المرة”، يُطيل في صمته ثم ينطق أخيرًا: “لقد دعت هاري من دون علمي … لقد حاولت.. حاولت أن أمنعها ولكنني لم أستطع..”. “لا عليك، فبالتأكيد هناك سببٌ لدعوته للحفل”، تقول أمي لتهدئته. لم أستطع النطق بأي شيء، فالذي كنتُ أخشى حصوله سيحصل. أُغمض عيناي بقوة وتضربني فجأة ذكرى قد نسيتها، وأتذكر تفاصيلها وكأنها حدثت البارحة..

قبل سنتين:

“لا أحبُ مَن يستغفلني!”، أقولها له بجدية لم يعهدها مني. يجيبني بقلقٍ واندهاشٍ معًا: “مَن تقصدين؟ أنا؟”. أُكرر ما قلت: “لا أحبُ مَن يستغفلني!”. “ماذا تقصدين؟ أنا استغفلكِ؟”، يقولها بحزنٍ مصطنع، أعلم ذلك لأنني.. أعرفه جيدًا عندما يكذب. أقول مبتسمةً بخيبة أمل، وألف الخاتم الذي في إصبعي الأيمن: “لا أظن.. لا أظن بأننا مناسبين لبعضنا”، أُكمل وأنا أنظر في عينيه مبتسمةً بذات الإبتسامة: “لا أحبُ مَن يستغفلني! وأيضًا مَن يكذب عليّ بشأن أي شيءٍ وخاصةً إن كان يتعلق بحياتي أو بحياتنا ربما. فقد كنا شريكين”. يظهر على حقيقته مبررًا تصرفه: “آوه لا فائدة من الكذب الآن ها! كنتِ فرصةً جيدة شكرًا لكِ على كل شيء حقيقة. لولاكِ لما …”، أقاطعه برمي الخاتم الذي كان في إصبعي عليه، يتفاجأ هو بفعلي فيبدأ بالصراخ: “تبًا! ماذا فعلتِ!”. أبتسم له وأبدأ بالضحك على تعابير وجهه المتفاجئ قائلة: “هذا أقل ما تستحق! فلتذهب إلى خطيبتك الأخرى وتطلب النجدة منها! يا حقير! يا جبان! أكرهك أنني أكرهك!!! لا أريد رؤيتك مرةً آخرى، هل فهمت؟!”. ينظر إليّ بعينيّ الشفقة: “وهل يمكنكِ فعل ذلك حقًا؟”، أضحك بصوتٍ عالي ثم أقول: “آه نعم، وربما سأخبر جدي بذلك أيضًا! فلتحذر!”. يرتعد قليلًا فأقول له: “لم أتوقع منك هذا.. كنت تحاول الاقتراب مني حتى تستحوذ على أسهم الشركة؟ تريدها إلى هذه الدرجة؟”، أُطلق ضحكة عالية ثم أقول: “لن تحصل عليها أبدًا!”، وأخرج مسرعةً بخطواتي في وسط دهشته مني.

أبتسم للذكرى التي لطالما طاردتني إلى الآن.

“ما! … ما! … إيما! … إيما!”، أنتبه له أخيرًا فأدير رأسي نحوه، وأتفاجئ بعلامات القلق البادية على وجهه. أبتسم له قائلة: “أنا بخير لا تقلق.. سأكون بخير..”، يمد يده ويشدني نحوه ليحضنني بقوة هامسًا في أذني: “سأقتله إن أقترب منكِ ولو كان شبرًا”، “سأقتله بنفسي إن حاول ذلك. لا أريدك أن تدخل السجن بسببي”، أقولها بسخرية. يضحك أخيرًا ثم يبتعد عني قليلًا ليقول بجدية: “أي شيءٍ من أجلكِ إيما.. أي شيء”. أغمض عيناي قليلًا أتأمل كلماته، وصداها في رأسي يتكرر. “أي شيء من أجلك … أي شيء من أجلك …”، ويرسم لي ذهني صورة جايكوب أمامي فأبتسم قائلة لنفسي: “أنا … أحبه …”.

نصل إلى وجهتنا ويكون باستقبالنا جدتي، خالتي وبعض الخدم. نسلم عليهم بالأحضان بالطبع، وألف رأسي يمنة ويسرة باحثةً عن جدي، وقبل أن أسأل تُجيب خالتي: “إنه في مكتبه لديه اجتمـ ….”، وقبل أن تُكمل أذهب إلى مكتبه مسرعة. تُكمل: “لديه اجتماع! آه من هذه الفتاة لم تنتظرني حتى أُكمل كلماتي!”، يضحك البقية قائلين: “كعادتها”.

“لقد أتيت!”، أتفاجئ بوجود الكثير من الرجال في غرفته، فأقول معتذرةً: “أعتذر على الإزعاج!”، وأخرج من المكتب سريعًا. يضحك جميع من الغرفة، وأُحرج أنا قائلة: “آه. لا أستطيع التوقف عن إحراج نفسي.. غبية!”. يبتسم أحدهم ثم يقول بصوتٍ يسمعه الجميع: “لا تتوقف عن إبهاري دائمًا.. كجدها بالضبط”، يضحك جدي قائلًا: “لم تسمعها وهي تتناقش بخصوص موضوع عمل.. ستبهرك بالتأكيد! واثقٌ من ذلك!”. يومئ الرجل موافقًا وكأنه يعرف ذلك جيدًا لإن الجميع (كبيرهم وصغيرهم) يثقون بكلمات جدي. يقول أحدهم: “فلننتهي من الاجتماع حتى يتسنى للجد الانفراد بحفيدته”. يوافقه الجميع ويُكملون اجتماعهم سريعًا.

أنتظر جدي خارج مكتبه لحين انتهاء اجتماعه والذي على ما يبدو كان مهمًا. يخرج الجميع بعد مرور النصف الساعة أو أكثر قليلًا، يبتسمون عندما يروني وينحنون مودعين، أبادلهم التحية والإنحناء ذاته. يخرج جدي وهو يتكئ على عكازه أخيرًا بابتسامة واسعة مُرحبًا بي: “أهلًا بعودتكِ حبيبتي.. “، أجري نحوه لأرتمي في أحضانه، ويقهقه هو قائلًا: “وكأنكِ في العاشرة من عمرك… ولا زلتِ في هذا العمر في نظري”. “لقد اشتقت إليك كثيرًا.. آه لا تعلم لأي درجة”، أقول له ويجيبني: “وأنا أيضًا يا حبيبتي.. وأنا أيضًا..”.

نجتمع سويًا على مائدة العشاء ويفاجئنا زوج خالتي بمجيئه لتناول العشاء معنا. سعدنا بذلك حقًا فقد كان كثير السفر بحكم عمله فهو يعمل في السلك الدبلوماسي ولقلما نراه أو نجتمع به. زوج خالتي بريطاني أبًا عن جد بعكس والدي الأمريكي الذي أخذتُ -كما تقول والدتي- الكثير منه، حتى طريقة حديثي! يتبادل الجميع أطراف الحديث ونبقى أنا وويل صامتين. أنظر إليه متفاجئة من صمته الرهيب هذا، فأقول هامسة: “لماذا أنت صامتٌ الليلة! هذا ليس من شيمك!”. يجيبني بدون النظر إليّ: “لا زال موضوعه يؤرقني. حتمًا مجيئه له سبب، وسأعلم سببه قريبًا!”. أجيبه: “بالتأكيد! ولكن لا يقلقك موضوعه أرجوك أنه لا يستحق”. ينظر إليّ أخيرًا قائلًا: “هل تتذكرين عندما ….”، أقاطعه ضاحكة: “عندما هاجمته في الشركة؟ آه بالطبع أذكر ذلك وكأنه حدث بالأمس”. “آه لم أستطع إشفاء غليلي منه إلا عندما ضربته على وجهه، وطردته من الشركة! آه كان يومًا … لا أستطيع أن أنساه أبدًا” يقول ضاحكًا. أضع كفي فوق كفه قائلة: “لا أريدك أن تفكر بأي شيءٍ آخر غير زواجك. ألن تأتي خطيبتك اليوم؟”، يرد سريعًا: “كانت تريد أن تأتي لتُسلم عليكِ، ولكن لديها بعض الأعمال المستعجلة. تعرفين أشغال المعلمين لا تنتهي”. “آه نعم. فلقد كانت أمي معلمةً أيضًا. أرجو أن أراها غدًا”. “آوه نعم، ستأتي غدًا”.

ننتهي من تناول العشاء ونتجه جميعنا نحو الصالة الكبيرة لشرب الشاي. يبدأ جدي بالحديث قائلًا: “سيكون هناك حفلة وداع لأجلكم غدًا، وكما سمعت فإن هناك مدعوًا لا أود ذكر اسمه سيأتي أيضًا”. يطأطأ الجميع رأسه لأنهم يعلمون من هو هذا. يُكمل جدي: “لا أريدكم أن تأخذوا موضوع مجيئه غدًا بكامل الجدية. مجيئه غدًا للحفلة لا يُعد سوى من الأمور التي تتعلق بالأعمال فهو يبحث عن شخصٍ ليشاركه الشراكة في الشركة التي بناها. أعدكم بأنه سيعود خالي الوفاض من أي شراكةٍ تجارية أو أي شيءٍ آخر يتعلق بالأعمال”. يوجه نظره نحوي قائلًا: “هل أستطيع أن أنام قرير العين اليوم؟”، أجيبه سريعًا: “بالتأكيد، لا تقلق!”. يتناول شاهيه بعينين تومضان، وأبتسم لنفسي فأنا أعرف أنه يفكر بأمرٍ ما.

يذهب الجميع إلى غرفهم للنوم، ويبقى ويل معي في الغرفة. يقول بحماسة: “إذن أخبريني كل شيءٍ عنه”، أُجيبه متفاجئة: “مَن تقصد؟”، ينظر لي بِنظراتٍ ذات مغزى ويقول: “مَن أخذ قلبكِ في ماديسون … الأمير ذا الحصان الأبيض … الذي كنتِ تفكرين به في السيارة”. أضحك قائلة: “آوه كل هذا؟”، يُجيبني سريعًا: “أنتِ قولي لي!”، ثم يغمز بعينه لأضحك عليه بقوة. “هيا … أريد التفاصيل!!”. أنحنح صوتي قليلًا ثم أقول: “أنه …. أنه ….”، وأسكت. “يا إلهي! لقد وقعتي وقعةً جامدة. لا تعرفين كيف تصفينه حتى”. “لم أعرفه كثيرًا حتى أصفه. لكن هناك شيءٌ شدني إليه لا أعرف ما هو. لأصدقك القول كنت في حالة نكران أنني يمكن أن أكن له أي شعور. لكنه كل ما أفكر فيه مؤخرًا، وكما أخبرتك سابقًا لم أعرفه طويلًا”. يقول لي بدون أن ينظر لي: “الوقوع في الحب لا يحتاج إلا للحظة”. أُجيبه: “لقد سمعت ذلك سابقًا … ولكنني لستُ واثقة من نفسي. أريدُ حقًا أن أؤمن به ولكنني خائفة”. يقترب مني ليضمني ثم يقول: “أنا لا أعرفه ولكن … آمل أن يكون هو المنشود”، “آمل ذلك جدًا”. أضربه على كتفه قائلة: “لم تخبرني كيف عرضت عليها الزواج”، “ولكن لا تقلديني هاه”. أضربه مرةً آخرى على كتفه وأقول: “الرجل هو من يعرض الزواج وليس العكس!”، يُجيبني ضاحكًا: “معكِ لا شيء مؤكد حقيقةً”، أرمي عليه المخدة التي بجانبي ليهرب هو. أضحك قليلًا وأقول: “زواج … مرَ وقتٌ طويل على التفكير بهذه الكلمة… آه جايكوب!”. “عرفتُ اسمه!” ويضحك بصوتٍ عالي. أرفع رأسي لأراه واقفًا، فأفاجئه برمي المخدة عليه لتطبع على وجهه. “آمل بأنكِ ارتحتِ الأن”. أجيبه: “آه كثيرًا”. يبتسم قائلًا: “أخبريني المزيد عنه”، “حسنًا سأخبرك”. يستلقي ويل على بطنه وأحكي له طوال الليل كل ما حصل معي… معنا…

كيف أخبره بأنني أحبه؟ *5

أستيقظ مبكرةً هذا الصباح بسبب طلب كاثي لرؤيتي قبل مجيء الجميع. أرتدي ملابسي وأُجهز حقيبتي لأخرج. أذهب إلى غرفة والدتي أولًا، وأطرُق الباب حتى أسمع صوتها من الداخل يقول: “أدخلي عزيزتي”، ثم أدخل. تنظر إليّ فزعة عندما تراني مرتديةً بدلتي، أقول لها: “صباح الخير أمي الغالية”، وأُقبلها. تبتسم لي قائلة: “صباح الخير عزيزتي”، ثم تبادر بالسؤال: “أليس الوقت مبكرًا على الدوام؟ لم تشرق الشمس بعد!”. “نعم أعتذر عن ذلك. لقد طلبتني إحدى زميلاتي في القدوم مبكرًا، ولكن لا تقلقي كل شيءٍ على ما يرام” أُجيبها ثم أجلس بجانبها على السرير. تومئ برأسها ثم تقول: “هل أنتظرك الساعة الثالثة عزيزتي؟”. أبتسم لها قائلة: “بالتأكيد، فرحلتنا الساعة الخامسة”، أُقبلها ثم أنهض لأذهب في طريقي، ولكن تذكرت شيئًا: “أمي لقد جهزتُ حقيبتي لا تقلقي”. تبتسمُ لي قائلة: “هل تذكرتِ وضع فستانك؟”، أضحك ثم أُجيبها: “بالطبع فعلت. أعرف خالتي جيدًا.. أراكِ الثالثة حسنًا! قبلاتي”. ثم أخرج في طريقي.

أُرسل لكاثي رسالةً نصية أُعلمها بأنني في الطريق إليها، وأُشغل سيارتي. تأتيني رسالةٌ منها تُبلغني بأنها في الطريق أيضًا وتسألني إذا كنت قد تناولت إفطاري. “لم أتناول إفطاري بعد، ماذا عنكِ؟” أنظر إلى الساعة ثم أنظر إلى السماء قليلًا قائلة: “جيد! أستطيع الذهاب إلى المقهى في آخر الشارع لأشتري فطورًا لي ولكاثي”. تأتيني رسالة منها تقول: “لقد صنعتُ بعضًا من الشطائر. هل يمكنك شراء القهوة في طريقك؟”، أجيبها سريعًا: “بالتأكيد يمكنني! ماذا تحبين؟”. تجيبني: “كراميل ماكياتو، من فضلك ♥”. أنظر إلى ما كتبته محاولةً كتم ضحكي، فقد تذكرتُ جايكوب البارحة. لم أجد ما طلبه غريبًا بل زاده لطافة. أبتسم قليلًا للشاشة ثم أكتب لها: “عُلم!”، وأُحرك سيارتي.

في طريقي أُشغل الراديو على محطة “Air1 Radio” حتى يشغلني قليلًا. يبدأ المذيع بالتحدث قائلًا: “حسنًا أيها الناس … الآن سنستمع إلى أغنيةٍ قديمة نوعًا ما، اختارتها صديقة البرنامج ميشيل. ما رأيك أن نسمعها داني؟”. “آه كم أحب هذه الأغنية. شكرًا على اختيارك إياها ميشيل. فلنسمعها سويًا قبل أن نستضيف ضيفنا لليوم!”. “إلى كل من يحب أغاني الستينات أُهدي لكم هذه الأغنية..”. تبدأ الموسيقى مع وقوفي أمام المقهى لأنسى نفسي للحظات، فهذه الأغنية التي لطالما أحبها والدي. أستمع إلى الأغنية وأتذكره عندما كان يغنيها لي… وتبدأ دموعي بالتساقط لا إراديًا. أبقى في السيارة أستمع إلى الأغنية، وعندما يبدأ المغني برفع صوته أضحك أنا، فقد تذكرت والدي كيف كان يغنيها ويرقص عليها. أغني معه وأتخيل والدي أمامي يغنيها.. معي. أظل في السيارة حتى تنتهي الأغنية ثم أُقفل الراديو والسيارة حتى أذهب إلى المقهى لأشتري القهوة.

أصل إلى المكتب وأجد كاثي في مكتبها، أُلقي عليها التحية قائلة: “مرحبًا كاثي. آسفة على التأخير!”. تنظر إلى خلفها وأتفاجئ برؤيتها ترتدي نظارةً طبية، تقول وهي تعدل نظارتها: “آوه صباح الخير. لم تتأخري لقد وصلتُ للتو”. أبتسم لها وأُشير إلى عيني قائلة: “ماذا بشأنها؟”. تبتسم لي ثم تنهض من مقعدها حاملةً حقيبتها معها، ثم تُشير إلى طاولة في المنتصف لنجلس عليها. أذهب حيث أشارت وأجلس بجانبها قائلة: “إذن؟ أريد التفاصيل …” منتظرةً أن تُجيبني. “تفضلي هذه شطيرتك. أنني معروفة بالشطائر التي أصنعها” تقدم لي الشطيرة. أشكرها ثم أُقدم لها قهوتها. أنتظرها لتبدأ بالكلام كعادتي مؤخرًا، بينما هي تنشغل بحقيبتها. أنظر لها وأنا أكل الشطيرة، تبتسم قليلًا ثم تنظر لي قائلة: “لقد قررت أن أعترف له وأنا أرتديها اليوم..”، أستمر بالنظر إليها متعجبة مما قالت. تُكمل: “هكذا كنت أبدو أيام المدرسة! أبدو غريبة الأطوار، أليس كذلك؟”. أُجيبها بابتسامة: “لا.. على الإطلاق!”، ثم أُواصل كلامي قائلة: “إذن كنتِ غريبة الأطوار أيام المدرسة؟ هل هذا هو السبب؟”. تنظر إلى يديها وتقول هامسة: “أجل …”. أقول: “والآن؟”. ترفع رأسها وتقول ضاحكة: “لا أزال غريبة أطوار.. “، نضحك سويًا. نسكت قليلًا ثم أقول لأقطع الصمت: “في الحقيقة … كنتُ غريبة الأطوار أيضًا وقد تنمر الكثير عليّ بسبب ذلك. ربما لأنني قصيرة القامة أيضًا، فلطالما كنت كذلك. كان يدافع عني ابن خالتي ويل دائمًا بالرغم من أنه أصغر مني سنًا …”. أسكتُ قليلًا ثم أُكمل: “فاجأت والديّ مرةً بأنني أريد تعلم التايكوندو. كانا مصدومين جدًا مما قلته ولكن عندما عرفا السبب من ويل طبعًا تفهما أخيرًا”. تنظر إليّ كاثي وتقول: “يجمعنا الكثير من التجارب”. أقول موافقة: “فعلًا.. الكثير”. أُخرج أوراق عقد شركة “Pride”، ونبدأ العمل عليها حتى مجيء الجميع.

تدخل جينا المكتب وبحوزتها كالعادة قهوةٌ إضافية. تنظر إلى كلتينا باستغرابٍ قائلة: “ظننتني سأكون الوحيدة التي ستأتي مبكرةً اليوم!”، تضحك كاثي لها قائلة: “للأسف.. ليس اليوم”. تخفض جينا نظرها إلى الأوراق أمامنا ثم تقول بتفحص: “هل هذه الأوراق تخص شركة “Pride”؟، “آه أجل هي كذلك!” أُجيبها بتردد. تفتح عينيها على وسعهما وتقول: “أوه انتظراني إذن! لدي العديدُ من الأفكار أشاركها معكم”، وتتحرك نحو مكتبها. تأتي بعد أن تضع أغراضها بالكثير من الأوراق بين يديها. تبدأ بالحديث عن أفكارها ونسمع لها بصمت.

يبدأ بقية الموظفين بالحضور تدريجيًا، ومن بينهم ساره التي تمر بجانبنا بدون أن تُسلم علينا. ننظر إلى بعضنا بنظرات استغراب. تنطق كاثي أخيرًا قائلة: “ما بها؟ لم تُسلم علينا حتى!”، “يبدو عليها الإعياء.. ربما هي مريضة؟” أقول لهم. تنظر إلينا جينا ثم تقول بجدية: “حسنًا يا رفاق، لا تقلقا! صديقتكم هذه ستعرف ممّ تشكو ساره. لا تقلقا!” تضرب كتفينا ثم تذهب نحو ساره. ساره من جهةٍ آخرى لا تعلم كيف هو وجهها ولأول مرةٍ لا تهتم بذلك، فكل ما تفكر فيه هو توم. تتقدم جينا نحو ساره قائلة لها: “كيف حالكِ يا فتاة؟”، ترفع ساره نظرها نحو جينا قليلًا ثم تعود للنظر نحو جهازها. تُصعق جينا برؤية لا مبالاة ساره فتقول: “ساره!!! ما بكِ؟! أنتِ حتى لم تضعي زينةً على وجهك! هل أنتِ بخير؟”. لا تُجيب ساره عليها فتنظر خلفها، ومن حسن حظها لا تجد أحدًا في المكتب فتذهب وتأخذ المقعد لتجلس بجانبها. تُمسك بوجهها لتديره إليها وتُصدم عندما ترى دموعها: “ساره! بالله عليكِ ما بكِ؟!” تقول بصوتٍ عالي يسمعه كل من في القسم فيديرون وجوههم نحوهم. تقول ساره بعينين مغلقتين والدموع تتساقط على خديها: “إنه توم! ….. إنه لا يحبني!”، تُصعق جينا مما قالته فتنظر لها بدهشة فهذه هي المرة الأولى التي تراها هكذا. تضع ساره يديها على وجهها وتستمر في بكائها، أما جينا فبقيت صامتة تنظر إليها فقط. في هذه اللحظة يدخل ديفيد ويلفت انتباهه مظهر كاثي فيبتسم لنفسه قائلًا: “لطالما أحببتُ مظهرها هكذا”، يقول بصوتٍ عالي متعمدًا: “صباح الخير جميعًا!”. تلتفت هي له بابتسامة قائلة: “صباح الخير ديفيد”، يمشي نحوها بخطواتٍ سريعة ويقول لها: “أحببت مظهركِ اليوم”، تُخفض رأسها بحياء وتقول بصوتٍ أشبه بالهمس: “شكرًا”. أنظر لهما بغبطة، ولكن وضع ساره لا يزال يقلقني. “لقد جلبت معي بعض الشطائر اليوم وأبقيتُ على واحدة من أجلك” تقول كاثي. مد ديفيد يديه تلقائيًا نحوها قائلًا: “أنا في الجنة! يمكنكم قتلي الآن”. نضحك أنا وكاثي بينما ديفيد يفتح الشطيرة ليشمها. يقطع ضحكنا دخول السيد غرايسون: “صباح الخير أعزائي”. نبادله التحية ثم يبدأ بالتحدث: “أعتذر منكم على دخولي الغريب هذا ولكن لدي خبرٌ مهم يجب أن أطلعكم عليه”، يصمت قليلًا ثم يكمل بعد أن وزع نظره على الجميع: “يؤسفني القول بأنه سيكون هذا شهري الأخير في الشركة، ومن بعدها سأتقاعد”، أصوات استهجان من بقية الفريق. “لقد سررت بالعمل معكم جميعًا.. جميعكم بدون استثناء. أتمنى أن تكونوا دائمًا بخير”. نصفق له جميعنا ثم نقترب منه لنودعه بالأحضان والقبلات.

يأتي وقت استراحة الغداء. يذهب بعضهم للخارج، ومنهم من يبقى على مكتبه. أنا كنت من الفئة الثانية، بعد ما حدث البارحة مع جايكوب لا أستطيع الذهاب إلى المطعم هكذا وكأن شيئًا لم يحصل. عرضت عليّ كاثي وديفيد المجيء معهما ولكنني رفضت. لقد ذهبا إلى مطعم J بالمناسبة. أما ساره فقد ذهبت هي وجينا سويًا إلى مكانٍ ما، وبقيتُ أنا أجهز خططًا للفوز بعقد شركة “Pride”.

في مطعم J كان ينتظر مجيئها بفارغ الصبر. ينظر إلى ما بيديه ثم يبتسم قليلًا متسائلًا: “يا ترى ماذا ستكون ردة فعلها؟ لقد وضعت كل مشاعري فيها، فهل ستعجبها؟”. يشد نظره دخول رجلٍ وامرأة، وكان الرجل هو نفسه الذي كان مع إيما سابقًا. حدق إليهما مطولًا وعرف في النهاية أنهما يحبان بعضهما فأبتسم لنفسه قائلًا: “كانت شكوكي مجرد أوهام..”. أنتظرها لساعاتٍ ولكنها لم تأتي. ينظر إلى ساعته فتفاجئ من تأخر الوقت فرفع نظره نحو صاحبه الواقف خلف ركن القهوة ليسأله: “أظنها لن تأتي اليوم فالوقت قد تأخر جدًا من أجل استراحة الغداء!”، ينظر له صاحبه بمواساة ثم يشير له بيديه قائلًا: “أظن ذلك أيضًا..”.

أغادر من العمل مبكرة، وفي طريقي أقابل آدم عند المصاعد. يبتسم لي قائلًا: “مساء الخير إيما”، “مساء الخير”، أجيبه. يتفحصني قليلًا ثم يقول: “هل الأمور بخير؟!”. أستغرب من سؤاله ولكن أجيبه: “نعم، الأمور بخير”، يأتي المصعد ونركبه سويًا. يتكئ على ظهره ويميل جذعه الطويل قائلًا: “ماذا كان شعوركِ عندما علمتِ بتقاعد السيد غرايسون؟”. أستغرب من سؤاله للمرة الثانية ولكنني أجيبه على أي حال: “شعورٌ طبيعي؟”. تتسع ابتسامته قليلًا ثم يقول هامسًا لنفسه: “جيد!”، “المعذرة، هل قلتَ شيئًا؟” أسأله، ويجيبني سريعًا بابتسامةٍ ماكرة: “لا، لا شيء..”. “ما به؟ هل حدث شيءٌ ما لعقله؟” أقول لنفسي. يقف المصعد ويكون بانتظارنا سام سكرتير آدم الشخصي الذي يقول مباشرةً بعد رؤيته لآدم: “سيدي السيارة في انتظارك!”، ينتظر خروجي من المصعد أولًا ثم يخرج خلفي مسرعًا بخطواته لبوابة الخروج قائلًا: “أخبرتك بأن تناديني آدم فقط!”. أنتظر قليلًا في الداخل حتى أتمكن من الاتصال على والدتي لأخبرها بمجيئي، وتحط عيناي على ذلك المطعم المقابل لنا، وعندها فقط تزداد نبضات قلبي، أُغمض عيناي قليلًا في انتظار صوت والدتي: “نعم حبيبتي. هل أخرج الآن؟”. “لا، لا. لقد أتصلتُ حتى أخبركِ بأنني قادمة الآن” أبتسم عندما أتخيلها تقول هذا. تقول متفهمة: “آه حسنًا إذن، أنا أنتظركِ”. أُغلق منها وأودع الحارس بطريقي. ينتقل نظري لا شعوريًا نحو المطعم فأغمض عيناي وأتحرك للذهاب إلى سيارتي.

عند وصولي للشقة دخلت مسرعة لأجد أمي بحقائبها أمامي تنتظرني. أبتسم لها ثم أُقبلها وأقول: “لنذهب الآن”، نخرج مسرعتان باتجاه المطار بعد أن تأكدنا من إغلاق باب الشقة جيدًا. في السيارة تنظر والدتي إلى جهتي طويلًا، تنشغل بهاتفها قليلًا ولكنها تُرجع تحديقها إليّ. يبدأ فمي برسم شبه ابتسامة فتضطر والدتي إلى سؤالي: “لماذا تبتسمين؟”، أضحك أخيرًا قائلة: “ولماذا تحدقين؟”، تتنهد قليلًا ثم تقول: “أنتظركِ لتقولي لي أي شيءٍ بخصوص جايكوب”. عند نطقها لاسمه تحولت ابتسامتي إلى جمود (صمت). مشاعري مبعثرة! أعرف حقيقتها ولكنني لا أريد أن أواجهها. جاوبت أخيرًا: “لم يحدث شيء!”. لم تعلق بشيء فقط نظرت إلى الأمام، أنطق أخيرًا بابتسامةٍ حزينة: “لم أجرؤ على رؤيته اليوم!”، نظرت إليّ وقالت ضاحكة: “جبانةٌ كوالدك”، تصمت قليلًا ثم تُدير رأسها للأمام قائلة: “في أمور الحب!”.

في مكانٍ آخر في ماديسون. لازال ينتظر صديقنا مجيئها للمطعم كعادته مؤخرًا، ولكن عندما رأى ظلها من بعيد ثم خروجها السريع علم بأنها لن تأتي. أبتسم لنفسه ثم وجه نظره نحو صديقه الذي كان يتابع كل خطواته، أشار صديقه إليه: “ربما ستأتي غدًا”، أبتسم لصديقه ثم أشار له: “أتمنى ذلك حقًا”.

نصل إلى المطار مبكرًا، وبعد أن سلمنا حقائبنا وتذاكرنا أدخلونا لصالة الانتظار. أمسكت والدتي بيدّي فجأةً فشددتُ على يدها قائلة: “متحمسةٌ لرؤية الجميع!”، تبتسم لي قائلة: “نعم، وأنا أيضًا”. تُشير بيدها نحو مقاعد خالية فنذهب نحوها لنجلس. تضع يدها على يدي ثم تقول: “هل أنتِ مستعدةٌ لرؤيته؟”، أبتسم بدون إجابة. تُكمل: “وماذا عن جايكوب؟”، لا أبتسم هذه المرة. تبتسم قائلة: “لم تبتسمي هذه المرة، لماذا؟”. أبتسم عندها وأقول: “لأنه … لا أدري! آمم ……” ثم أبدأ بالضحك، تشاركني الضحك أيضًا ثم تقول: “هذا يدعى الحب يا حبيبتي! أنتِ تحبينه”. أُجيب بهمس: “لا أعرف … حقيقةً لا أعرف!”.

يبدأ النداء على رحلتنا وتصعد والدتي الطائرة بحماس، أما أنا فقد كنت أُعيد كلماتها مرارًا وتكرارًا في ذهني. “أنتِ تحبينه.. أنتِ تحبينه.. أنتِ تحبينه ….”، وأنا لا أعلم حقيقة مشاعري … أعترف بأنني معجبةٌ به ولكن … لا أستطيع القول بأنني أحبه. لا … ليس بعد! تمتد يد أمي لتلمسني برفق، أرفع رأسي لأراها مبتسمة، أبادلها الابتسامة قائلة: “آسفة كنت أفكر قليلًا”. تُمسك بيدي اليمنى بقوة، وتشدني ناحيتها لأتبعها نحو مقاعدنا. نجلس ويبدأ كابتن الطائرة بالحديث عن الطقس وما شابه ذلك. كنت أسمعه ولكن فكري يذهب نحوه … نحو جايكوب. لم أنتبه على نفسي إلا عندما أقلعت الطائرة. أُغمض عينيّ بقوة متمسكةً بمقعدي بشدة. نعم أنا أخاف الإقلاع والهبوط! رغم سفري الكثير بحكم عملي ولكنني لا أزال أخافه. يتناهى على سمعي صوت ضحك أمي، فألف برأسي ناحيتها لأتفاجئ بوضع يدها على رأسي وتقول: “لم أتوقع بأنكِ ستنتبهين على إقلاع الطائرة أبدًا. كنتِ في عالمٍ آخر قبل قليل”. أبتسم قائلة: “لا أعرف ماذا أصابني اليوم؟”، تربت على رأسي وأُغمض عينيّ لا إراديًا فتهمس: “كل شيءٍ سيكون بخير … أعدكِ بذلك”، أبتسم بحزنٍ لما قالته، فهذه كلمات والدي التي لطالما كان يقولها لنا.

تغفو والدتي تاركةً إياي في خيالاتي.. ولحسن حظي كان مقعدي بالقرب من النافذة فكنت أسرح كثيرًا بالنظر إلى السماء. كانت السماء ملبدةً بالغيوم مع غروب الشمس الجميل عاكسًا اللون البرتقالي المائل للحمرة الذي أصبحت أحبه في الفترة الأخيرة. أقصد اللون وليس غروب الشمس ذاته. تتحول الغيوم فجأةً مكونةً وجه إنسان، ويطرق في مخيلتي وجه جايكوب الباسم ولا يسعني سوى أن أبتسم لمخيلتي هذه. “ماذا فعلت بي حقًا؟!” أُحدث نفسي.

يُعلن كابتن الطائرة عن دخولنا سماء نيويورك، واقترابنا من الوصول للمطار. أنتبه على استيقاظ والدتي من غفوتها فأقول لها: “صباح الخير يا جميلة..”، تبتسم برقة قائلة: “صباح الخير حبيبتي، هل وصلنا؟”. أُجيبها: “نعم، لقد وصلنا نيويورك. متحمسة؟”،”جدًا!” تجيبني سريعًا. ابتسم لها ثم أُدير وجهي نحو النافذة وأرى المطار من بعيد، “لقد كان أسبوعًا طويلًا عنكِ يا نيويورك!” أقول لنفسي. أُغمض عينيّ قليلًا وأرى صورته في ذهني. الشخص الوحيد في هذا العالم الواسع الذي أردت نسيانه من كل قلبي، ولكنني لم أنسه بعد … هاري وينتر.

(قصة جايكوب .. قصة جانبية من (كيف أخبره بأنني أحبه؟

“أعتذر منكما ولكن … إبنكما لن يستطيع السماع بشكلٍ طبيعي بعد الآن ..” هذا ما قاله الطبيب لوالداي. ومنذُ ذاك اليوم أصبحت عاجزًا عن السمع إطلاقًا. كنتُ حينها في الصف الثامن، وكنتُ ذاهبًا ذلك اليوم مع أخي أليكس الذي يكبرني بستِ سنواتٍ بسيارته. لم ننتبه للسيارة التي باغتتنا فجأة وصدمت سيارته من جهتي. الحمدلله بأن أليكس لم يصب إلا برضوضٍ وكسرٍ في رجله اليمنى، أما أنا فقد أصبتُ بنزيفٍ في الأذن الداخلية مما جعلني أفقد السمع في كلتا الأذنين. بقيت في المشفى لشهر، وخلالها لم يتركني فيها أليكس يومًا، لقد شعر بالذنب ولا يزال إلى الآن. لم يكن خطئه كليًا ولكنه لم يستطع سوى لوم نفسه. “أنه أخي الصغير، ماذا سأفعل إن خسرته؟” يقول لوالداي وهو يبكي، أراه من بعيد وأحاول الكلام ولكن لا صوت يخرج من فمي، أحاول مرارًا وتكرارًا ولكن لا فائدة. أستيقظت مرةً عليه وهو يضع كفيه على وجهه ويبكي بصمت. بالطبع لم أسمعه، لا أستطيع أن أسمعه ولكنني سمعته … بقلبي. أمسكت بركبته وحاولت أن أتكلم ولكن لا فائدة. الكلمات لا تخرج من فمي على الإطلاق. نظر إليّ بعينيه الحمراوين من جراء كثرة البكاء، وأمسك بيدي بقوة وأستمر في بكائه قائلًا: “أنا آسف، أنا آسف … آسفٌ حقًا يا جاي!”. أبتسمت له من بين دموعي فقد فهمت ما قاله لي. أقتربتُ منه وأحتضنته وأنا أقول باكيًا: “لم يكن خطأك يا أليكس! لم يكن خطأك!”. وبقينا هكذا لوقتٍ طويل.

خرجت من المشفى برفقة أليكس لأعود للمنزل وأتفاجئ بجميع أقاربي في منزلنا. سعدتُ بذلك حقيقةَ فوجودهم جميعهم من أجلي جعلني لا أفكر بمعضلتي. نعم إنها معضلة .. أو كانت كذلك. الجميع رحب بي وفرح بعودتي للمنزل سالمًا، ولكن بداخلي كنتُ لا أزال في صدمة، فما حصل معي ليس شيئًا سهلًا أستطيع نسيانه بسرعة. لا أحد يفهم ما أشعر به … لا أحد! أتت عمتي بيث لتُسلم عليّ، العمة العجوز الثرثارة. تتكلم وتتكلم ولا أستطيع فهم ما تقوله فهي تتكلم بسرعة، أحاول أن أستوقفها قليلًا قائلًا بصوتٍ خافت: “عمة بيث … عمة بيث …”، ولكنها لا تتوقف. صرختُ بأعلى صوتي: “هلاَّ تكلمتِ ببطء فأنا لا أستطيع سماعكِ!”. يصوب الجميع نظرهم عليّ، فأقول لها بصوتٍ يرجف: “أنا آسف!”، ثم أهرب لغرفتي. أتت والدتي بعدها لتطمئن عليّ، ولم أشأ أن أحزنها فرفعت رأسي حتى أعتذر لها عمَّ حصل ولكنها سبقتني وضمتني إلى صدرها مربتتًا على كتفي. لم أعي ما حصل إلا عندما تساقطت دموعي لا إراديًا، وبكيتُ طويلًا بينما هي لا تزال تربت على كتفي. هدأت قليلًا فأمسكت والدتي برأسي بين يديها مخاطبةً إياي بين دموعها: “هل تعتقد بأنك الوحيد الذي يعاني بما حصل لك؟ أنا أيضًا أعاني … من أجلك. آه كم تمنيت لو أنها أنا!”، تستمر ببكائها ثم تقول من بين دموعها: “أرجوك جاي، أرجوك يا بني أرجوك! لا تحمل نفسك فوق طاقتك”، تأخذ يدي وتضعها على قلبها، مغمضةً عينيها قائلة: “لا أظن أنه سيتحمل أن يراك حزينًا … أرجوك!”. لم أستطع أن أجاوبها فبكيت بأقوى ما عندي واضعًا كلتا يديّ على وجهي. تنظر والدتي فجأة نحو الباب ثم تبدأ بتصليح مكياجها وتنظر إليّ لتقول: “أنها أختك، لقد أتت”. أبتسم من بين دموعي ثم أمسحها، ترجع والدتي نظرها نحو الباب قائلة: “تفضلي عزيزتي”، وتدخل أختي الصغيرة. تجري نحوي لتحضنني بقوة وأضحك أنا قائلًا: “مَن الذي أزعجكِ اليوم؟”. لا أسمع ما تقول ولكني أشعر بدموعها على فخذي. أدفعها للوراء لأرى وجهها وأُصدم برؤيته أحمر من شدة بكائها. “أخبريني لماذا تبكين؟” أقولها بِحنُوّ. تمسح وجهها بقوة ثم تقول: “مَن الذي جعلك تبكي؟ سأضربه من أجلك!”. أحاول كتم ضحكتي ولكنني لا أستطيع، وأضحك بأقوى ما لديّ على ظرافتها وتشاركني والدتي الضحك بينما هي بقيت تنظر إلى كلينا مرددةً: “ماذا؟ ماذا؟”.

عندما عدتُ بعد فترةٍ طويلة من الغياب إلى المدرسة، لم يفهم أصدقائي ما حصل معي، ولا ألومهم على ذلك. فأنا أيضًا غير مصدقٍ ما حصل معي. كانوا يأخذونني معهم أينما ذهبوا بحكم العادة، ولكن شيءٌ ما جعلني أبتعد عنهم شيئًا فشيئًا إلى أن أفترقنا وأصبحتُ بلا صديق. كان هذا أفضل بالنسبة إليّ، لم أحزن. تفاجأت بعدها في يومي الأول في المرحلة التاسعة برسالةٍ في خزانتي. رأيت اسمي على الرسالة فعرفت بأنها لي. أبتسمتُ قليلًا من فكرة الرسالة فقد رأيتُ فيلمًا يحاكي نفس الفكرة.

رسالة جو

عزيزي جايكوب،

كيف حالك؟ أتمنى أن تكون بخير. اسمي هو جوناثان وقد لا تعرفني، لكنني أعرفك منذ الصف السابع. بعد الحادث، تغيرت بالكامل وإبتسامتك تبددت. أريد حقًا أن أعيد لك إبتسامتك الجميلة لذا، هلاَّ أصبحت صديقي؟

جوناثان هاريس

ألتفتُ يمينًا ثم يسارًا باحثًا عنه ولكنني لا أجده، أرجعُ نظري نحو الرسالة ثم أبتسمُ لهذا الصديق الذي لا أعرفه بعد.

أستطعت التعايش مع فقداني لسمعي ولكن بصعوبة. عندما أصبحنا في الثانوية فضلتُ البقاء وحيدًا، وتفهم جوناثان رغبتي هذه دون إعتراض. كنا نتواصل مع بعضنا بالكتابة وأحيانًا بالرسائل، ولكن في يوم، فاجأني عندما تحدث معي بالإشارة. أخبرني بأنه كان يتعلم منذ فترةٍ طويلة، ولم يرد أن يخبرني بل أراد أن يفاجئني وهذا ما حصل فعلًا. جو كما اسميه هو الصديق الوحيد الذي بقي بجانبي، وبقيت صداقتنا لما بعد الثانوية. ذهبنا إلى الجامعة سويًا وتخرجنا سويًا ولكن عند بحثنا عن وظيفة، أخبرني بأنه لا يريد وظيفةً في شركةٍ ما،  بل يريد فتح مطعمٍ خاصٍ به وأنه يريد مساعدتي في تجهيزه. ساعدته على فتح مطعمه وأصبحت من زبائنه المعتادين. بالطبع لا أنسى ذكر طهوه اللذيذ والذي من أجله أزور مطعمه كل يومٍ تقريبًا … إلى أن رأيتها. رأيتها أول مرةٍ في مطعم جو ومن يومها … لم أستطع إخراجها من تفكيري، وتغير بعدها سبب زيارتي للمطعم وأصبح من أجل أن أراها.

ذهبت إلى مطعم J كعادتي ورأيتها تدخل المطعم وهي تتحدث على الهاتف وتبتسم. قصر قامتها وشعرها البني الطويل نوعًا ما مع غمازة خدها الأيسر جعلاها تبدو ظريفة زيادة عن الحد المسموح. جالت بنظرها نحو المكان باحثةً عن طاولة، عندها جاء جو ليريها طاولةً منزوية في الركن، ومن إبتسامتها عرفتُ بإنها الطاولة المنشودة. بعد أن طلبت ما تريد أخرجت من حقيبتها ملفاتٍ كثيرة وجهازها المحمول وبدأت بالعمل. أبتسمتُ لنفسي فهذه أول مرةٍ يثير إنتباهي شخصٌ ما. أكمل ما بيدي مع سرقة نظراتٍ نحوها. تغمض عينيها فجأة مع تقطيب حاجبيها وأستمر بالتحديق بها مع نظرة قلق، عندما فتحت عينيها وقعت عيناها عليّ فأبتسمتُ لها وبادلتني الإبتسامة مع إشارة بيدها أنها بخير. ضحكت على ظرافتها ورجعتُ أنشغل بما في يدي من أوراق، ولكن لا أزال أستمر بالنظر إليها. يأتي جو ليطمئن عليّ ويمازحني قليلًا، وأشعر بمراقبتها لنا، وفجأة أراها تصرخ، لم أستطع فهم ما قالت ولكن شعرت بإحراجها من نظرات الجميع لها. ليتني سمعتُ ما قالته! ولكنني … لا أستطيع …

خرجت بعد إنتهاءها من طعامها ولكنها بقيت في ذهني. يأتيني جو بعد خروجها بورقة وهو يبتسم بإبتسامةٍ صفراء ويغمز بعينه ثم يذهب، أنظر إلى ظهره مستغربًا مما فعله ولكنني أخذ الورقة وأقرأ ما كتب فيها. ” ستعود مجددًا غدًا. يجب أن تكلمها!”. أبتسم لما كتبه فهذا يعني أنه كان يراقبني وفهم جيدًا نظراتي.

في اليوم التالي أتت مع زميلاتها وأعجبني رؤيتها سعيدة حولهن ورؤية وجهها وهو يشرق بضحكات. أبتسمتُ لا شعوريًا عند رؤيتها، بينما تصنعت هي إبتسامة ولكنني وجدتها ظريفة. تبدأ إحداهن بالتمثيل وأراها تضحك من أعماق قلبها ولم يتبادر مني سوى: “ليتني أستطيع سماعها …”. أراقب كل ما تفعله ضحكة، إبتسامة أو حديث صغير. كل ما أراه فيها يشدني لها أكثر، ولا أعلم لم. هل هو الحب يا ترى أم هو مجرد إهتمام؟ أنظر إلى ما بين يدي وأبدأ بالعمل عليه مع مراقبتها بالطبع. كنتُ مركزًا جدًا عليها، وفجأة أحدٌ ما يلمسني من كتفي، كان جو الذي قال لي هامسًا: “لقد أكلتها بنظراتك!”. أبتسم له فلقد فهمني، ولا أستطيع الإنكار. يذهب جو وأعود للنظر إليها (جميلتي السمراء). “آه أنه وجهٌ جديد! إذن هكذا يكون وجهها عندما تخجل” أقولها في سري متكئًا على يدي اليمنى مأسورٌ بها.

تذهب صديقاتها وتبقى هي لوحدها. أنظر لها غير مصدقٍ ما جرى. “لم تعد مع صديقاتها؟ ماذا يعني ذلك؟ هل تريد البقاء؟ من أجل ماذا؟ لحظة أنها تكلم جو! لقد صافحته! أنها تبتسم إبتسامتها اللعوب تلك غير مكترثةٍ بي!” أتساءل بيني وبين نفسي. أضع كلتا يدي على عيني قائلًا: “آه رفقًا بقلبي أرجوكِ!!!”.

أمسكتُ ما بيدي ونظرتُ إليه بإبتسامة رضا، سعيدٌ بالنتيجة النهائية. يأتي جو بعد خلو المطعم من الزبائن ويجلس بجانبي قائلًا: “تشبهها تمامًا”. سألته بيدي: “حقًا؟”، ضحك على ما قلت ثم هز رأسه قائلًا: “ثق بي يا صديقي!”. لم أعرف كم من الوقت بقيتُ أتأمل ما بيدي! لم أشعر بالوقت بتاتًا! ويالها من نعمةٍ لم أشعر بها منذُ فترةٍ طويلة. أبتسم لما بيدي قائلًا: “ماذا فعلتِ بي؟”.

في اليوم الذي تلاه أتت هي مع رجل. لا أعلم مالذي جرى لي! لا أعلم بماذا شعرت أو بماذا يجب أن أشعر؟ رأيتها تبتسم له، تكلمه، تضحك معه وتحزن معه. كل هذا كان أمام عيني ولم يكن بيدي فعل أي شيء! حاولت قدر أستطاعتي أن لا أركز عليهما، أعرف قراءة الشفاه ولكنني لا أريد معرفة ما تقوله له! أنظر إلى ما بيدي بشيءٍ من الحزن الغير مبرر. أتساءل إن كانت ضاعت فرصتي، شاكرًا الله أنني لم أحبها بعد! أضع رأسي على الطاولة ثم أغط في نومي، فالبارحة سهرتُ على … شيءٍ ما.

أستيقظ فجأة من غفوتي، وأنظر نحو طاولتها ولكنها لم تكن موجودة. “آه فاتتني رؤيتها عند رحيلها! لماذا غفوت؟” أحدث نفسي. يأتي جو بإبتسامة عريضة تنبئ عن شيء: “لقد كنتَ نائمًا ولكنها لم ترفع عينيها عنك البتة”. نظرتُ إليه مشككًا ما قاله ثم قلت بالإشارة: ” ولكنها أتت مع رجلٍ، صحيح؟، يومئ لي برأسه ثم يقول بالإشارة: “أنه صديق عملٍ فقط”. غطيتُ وجهي بيديّ غير مصدق، هامسًا لنفسي: ” يإلهي … إذن لا يزال لدي فرصة”.

أنهض من مكاني لأتمشى قليلًا في الخارج، وأُصدم برؤيتها خارجة مع زميلاتها. “أنها تعمل هناك”، أستطيع تمييزها من بين المئات لا بل الآلاف. أرفع نظري نحو أعلى الشركة لأرى اسمها “Hudson Global”، أتوقف لبرهة ثم أقول بصوتٍ عالي: “لقد عرفتها! إنها …”، أتوقف لأفكر ثم أعود أدراجي نحو المطعم. أُمسك بالملفات التي جلبتها معي وأبحث عن ملف شركتها ثم أبتسم عندما أجده. أفتح الملف وأقرأه ثم أضحك عندما أرى اسمه “آدم هارت”. يأتي جو عندما يسمع ضحكتي. أنظر له وأقول بإبتسامة: “أنظر ماذا وجدت”، مشيرًا نحو اسمه. ينظر إليّ جو متعجبًا ثم يقول: “أليس آدم ذلك الـ …”،”بشحمه ولحمه” أقول ضاحكًا. يبتسم جو ويقول: “فعلًا إن العالم صغير”.

“حبيبتك عادت” يقول جو بالإشارة، فأنهض من مكاني وأجري نحوه حتى أراها. يقول جو مازحًا: “لم أعلم بأنك سريعٌ هكذا!”، أجيبه وأنا أضحك: “آوه أصمت”. أراها تخرج من السيارة ثم تقف لفترة، تلف نظرها نحو المطعم قليلًا ثم ترحل. “هل رأيت؟” أقول لجو. ينظر لي جو قائلًا: “ماذا؟”، “لقد نظرت نحو المطعم!” أجيب. يشير بيده جو: “إذن؟”. أنظر له قائلًا: “لقد كانت تبحث عني …”، ينظر نحوي ويبتسم: “لقد وقعت بحبها!”. “بالطبع لا! كيف أجرؤ على ذلك!” أقول بإبتسامة أسى.

في اليوم التالي عندما ذهبت إلى المطعم لأنتظرها، جأتني مكالمة عمل فنهضتُ من مكاني حتى أستلمها، تفاجأت بدخول شخصٍ بإندفاع للمطعم والذي جعلني أقع بقوة على الأرض. أرفع نظري نحوه لأجدها هي. أمسكتني فجأة لتساعدني على النهوض. نبضات قلبي زادت فجأة عند لمسها لي، أراها تتكلم ولكنني لا أفهم ما تقوله، والحقيقة هي أنني غير مركزٍ معها. أقف أمامها ويتبين لي ضآلة حجمها بالمقارنة بي. أعي حينها بأنني أطلت النظر إليها فأحرك يديّ قائلًا: “أنا بخير. لا داعي لأن تقلقي عليّ”. لم تفهمني فكتبت في هاتفي: ” لم يحدث شيء أنا بخير. لا داعي لأن تعتذري”. “ولماذا تقلق عليك جايكوب؟” ما فكرتُ به. أعطتني هاتفها بعد أن كتبت فيه: “أنا آسفة حقًا. أريد أن أعوضك، فهلاَّ تتناول معي الغداء!”، أبتسمتُ بداخلي وأومأت لها برأسي.

صحبتها إلى الطاولة التي أجلس بها دائمًا. كانت أمامي هذه المرة، ولا يفصلنا شيء سوى الطاولة. أمسكت حقيبتها وأخرجت ورقة كتبت فيها: “لم أعرفك بنفسي بعد. ادعي إيما جونسون، ماذا عنك؟”، نظرتُ إلى ما كتبت وبدأ عقلي بترديد اسمها تلقائيًا. أجبتها في نفس الورقة: “تشرفت بمعرفتك آنسة جونسون، ادعى جايكوب كالن”، أبتسمت لي ثم قالت مصافحةً يدي: “تشرفت بمعرفتك جايكوب!”، رددت لها الإبتسامة والمصافحة وعقلي يقول: “لمستني للمرة الثانية! إهدأ يا قلبي!”. تناولنا الغداء سويًا، ولا أعرف كيف كنتُ خلالها فقد كنتُ متوترًا! متوتر كلمة لا تصف ما كنت أشعر به من الداخل، فقلبي لم يتوقف عن النبض بقوة، ويزداد في نبضاته عند مجئ جو إلينا! أُعطيه نظرة “توقف عن المجئ”، ولكنه لا يزال يأتي! أخبرتها بأنني معتادٌ على المجئ هنا لإن جو صديقي. أنتهينا من الغداء وطلبت منها تناول القهوة معي، وطلبت قهوة سوداء. “تحبها سوداء!”. شعرتُ بالحرج قليلًا لإن القهوة المفضلة لدي هي كراميل مكياتو، ولكنني طلبتها على أي حال. لا أعلم كم بقينا على نفس الطاولة ولكنني شعرتُ بأنها مجرد لحظة. تنهض فجأة بسبب مكالمةٍ أتتها، وتتجه نحو واجهة المحل. أستطيع أن أرى إنعكاسها على الواجهة. أبتسم لا إراديًا عند رؤيتها من بعيد. تنتهي من مكالمتها وتعود للطاولة. أنتبه لإحمرار وجهها فأكتب لها سريعًا: “هل أنتِ على ما يرام؟ وجهكِ أحمر!”. تنظر إليّ بعد قراءة ما كتبت وتكتب لي: “أتعلم بإن إبتسامتك هذه .. جريمة؟”. أقرأ ما كتبته ولكنني لا استوعبه. أُعيد قراءته مرارًا ولا أستوعبه! تكتب على عجلٍ: “يجب أن أذهب!”، ثم تأخذ حقيبتها وتخرج، بينما أنا مدهوشٌ مما حدث! أنظر إليها وأنتبه لتغطيتها لعينيها. أبتسم وأُمسك الورقة وأُطيل النظر إليها قائلًا لنفسي: “ماذا حدث للتو؟”.

يأتيني جو ويقول بالإشارة: “لماذا خرجت مسرعة هكذا؟”، أبتسم له ثم أكتب: ” أظنني وقعتُ بالحب”. يضحك جو قائلًا: “متأخرٌ جدًا ياصديقي. متأخرٌ جدًا!”. أنظر للباب الذي خرجت منه قبل قليل وكأنني لا أزال ألمحها، قائلًا لنفسي بإبتسامةٍ محرَجة: “سلبت قلبي ورحلت … “

تعود بسيارة إحدى زميلاتها وأكون أنا مراقبًا لها. تقف مودعةً زميلتها وتُطيل في وقوفها أنتظرها أنا أن تنظر إلى المطعم … إليّ. تلف رأسها أخيرًا نحو المطعم، ولكنها تتوقف ثم تذهب إلي سيارتها. أضع رأسي على واجهة المحل وأغمض عيناي قليلًا ثم أفتحهما فجأة بعد أغلاق جو للمصابيح. “هل تطردني الآن؟” اقول لجو. يضع جو يده على كتفي بقوة بدون أن يتكلم، أنظر إليه أخيرًا لأراه يبتسم لي ثم يقول: “تعلم بأنني أحبك، أليس كذلك؟”، هززت رأسي. يواصل: “حسنًا .. كونك تحب شخصًا ما فهذا جميل ولكن في الحب يا صديقي هناك وجهان، وفي الحالتان يجب أن تتألم فهكذا هو الحب”. يصمت قليلًا ثم يُكمل: “الوجه الأول ..” يبتسم وكأنه يرى شخصًا ما أمامه: “أن يكون الحب متبادلًا وهذا ما يجب ان يكون عليه الحب”. يرفع نظره إليّ ثم يقول: “الوجه الآخر للحب فهو أن يكون من طرفٍ واحد” يبتسم لي أخيرًا قائلًا: “وهذا يا صديقي حالتك الآن”. يضرب كتفي برفق ويقول: “لذا إن أردت أن يستمر حبك فيجب أن تعترف! ولتعترف يجب أن تنطقها”. “أنطقها؟ كيف؟” أقولها وأنا لم أفهم قصده بذلك. يشير بيده لفمه قائلًا: “الكلمتان السحريتان (أنا أحبك)”. أنظر له غير مصدقٍ ما قاله: “لم أكن أعلم بأنك تستطيع أن تكون حكيمًا!”. يضحك ثم يقول لي: “الحياة يا صديقي … الحياة تجعلك حكيمًا. ولا تنسى لقد مررتُ بما تمر به الآن، وفي حالتي …” يبتسم بألم: “لم تنجح!”. يذهب جو ليجلب أغراضه وأتابعه من مكاني. ينظر إليّ فجأة ثم يبتسم لي قائلًا: “أنا بخير. لا تقلق عليّ”. “أعلم ذلك. ولكن أريدك أن تعلم بأنني في صفك دائمًا!” أقولها بجدية. صُدم بما قلته ولكنه فجأة بدأ بالضحك بقوة قائلًا من بين ضحكاته: “أعلم ذلك، محظوظٌ بك يا صديقي”. نخرج سويًا من المطعم ويضع القفل على الباب ثم ينظر لي ويقول: “ما رأيك ببعض الطعام؟”، أبتسم قائلًا: “طعام؟ لا أستطيع أن أقول لا!”. “بالمناسبة اسمها إيما … التي أحبها” أقول له. يضحك قائلًا: “جيدٌ بأنك أعترفت .. وكنتُ أعرف اسمها فقد أخبرتني البارحة”. أوقفه: “ماذا قلت؟ كنت تعرف؟”. يمشي لسيارته بدون أن يرد، “جو أجبني … هيه جوناثان ..”. ونذهب سويًا إلى شقتي.